في اليوم الثاني من أكتوبر المنصرم اجتمعت اللجنة العربية حول العراق في مدينة جدة بدعوة من المملكة العربية السعودية، ومن أهم الأسباب التي حركت اللجنة للاجتماع ما جاء في خطاب الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية، في خطابة الافتتاحي، حيث يقول:
(إن اهتمام المملكة العربية السعودية يتركز في الدرجة الأولى على المصالحة الوطنية ووحدة الشعب العراقي وتكريس هويته العربية التي كانت دائماً اللحام الذي حفظ وحدة العراق.
ونحن نتفهم خصوصية الوضع الكردي والمعترف به منذ زمن بعيد في العراق، ولكن هذه الخصوصية الفريدة لا يمكن تعميقها عن بقية مناطق العراق حرصاً على وحدته).
. ويضيف الأمير سعود الفيصل: (إن أكثر ما يقلقنا هو ما نلاحظه من تنامي قوة الدفع نحو تكريس الطائفية على الساحة العراقية، والتي تتعارض مع الحفاظ على وحدة العراق وتؤدي إلى جره للمزيد من التشرذم والمزيد من المعاناة).
جاء هذا الخطاب بعد مشاركة الأمير السعودي في ندوة تكساس التي عبر فيها عن قلق المملكة من اتساع النفوذ الإيراني وارتفاع حدة النبرة الطائفية وألحق الأمير سعود خطابه شكل جدول أعمال مؤتمر جدة بالدعوة إلى الإسراع في عقد اجتماع يضم كل الفرقاء العراقيين تحت مظلة الجامعة العربية.
وذلك وصولاً إلى تحقيق إجماع وطني عريض بشأن الدستور وضمان مشاركة جميع الفئات العراقية في العملية السياسية، على أن يسبق ذلك قيام الأمين العام (عمرو موسى) بزيارة العراق للتشاور مع الأخوة فيه بهذا الخصوص.
وجاءت حصيلة اجتماع جدة بإيفاد الأمين العام إلى بغداد في ظروف صعبة للغاية بسبب أوضاع العراق الداخلية والخلافات بين الفرقاء وتصاعد الإرهاب وبسبب مواقف الجامعة العربية الحذرة ومواقف دول عربية أخرى تبنت السلبية والابتعاد وآثرت السلامة.
ومن إفرازات هذه المواقف تصاعد التساؤل من قبل معظم فئات المجتمع العراقي حول منظور الجامعة العربية من أحداث العراق. يقول نائب رئيس الحكومة العراقية أحمد الجلبي:
(الجامعة العربية كان لها موقف غير إيجابي في فترة حكم صدام حسين من القوى السياسية التي كانت تدعو إلى احترام حقوق الإنسان ورفع الضيم عن الشعب العراقي ولم تكن لها مواقف ضد ما قام به صدام باستخدامه الأسلحة الكيماوية في كردستان ومناطق أخرى في العراق.
ولم يكن للجامعة دور إيجابي في عملية التغيير وتشكيل مجلس الحكم، الجامعة استقبلت أشخاصاً قالت عنهم إنهم معارضون للنظام في العراق وإنهم يدعون إلى إنهاء الاحتلال بينما القيادات السياسية العراقية الحقيقية عندما كانت في السابق تطلب من الجامعة الاجتماع معها ودعم قضايا الشعب العراقي، لم يكن للجامعة مثل هذا الموقف).
هذه كلمات تختصر مشاعر أغلبية الشعب العراقي تجاه الجامعة العربية، وبهذه الأجواء المعقدة ذهب عمرو موسى إلى بغداد، يحمل معه المخاوف التي كانت تلازمه منذ عملية التغيير، وأوجزها فيما يلي:
أولاً: التهيب والتخوف الجماعي العربي ـ بما فيه الدول الأعضاء والجامعة ـ من المجهول الذي قد يفرزه الخلاف بين مكونات الشعب العراقي، وما قد تأتي به الحملة الأميركية من نظام مجهول يؤثر في البيئة السياسية العربية إيجاباً أو سلباً وتفضيل الانتظار والمراقبة دون الاقتراب من نيران الوضع التي قد تصيب من يقترب منها.
وقد اعتادت الدول العربية على التعايش مع الحالة الراهنة أي الوضع (الجامد الاستاتيكي). شعرنا بهذا الحذر نحن في الخليج حتى من قبل أعضاء في مجلس التعاون كانت تتمنى التبديل في العراق.
ولم تتحرك اللجنة العربية في اجتماعها في جدة إلا بعد أن بدأت صورة الوضع العراقي الذي خلفه التبديل تتضح بانقلاب دراماتيكي معبر عن صوت الأغلبية الائتلافية الشيعية ـ الكردية.
وقد اعتادت الدول العربية والجامعة على التعامل مع العراق السابق المختلف الذي تحتكر فيه القوى السنية كل مآثر القوة والنفوذ، وغابت عنه الحرية والديمقراطية وسيادة القانون وحقوق المواطن.
ثانياً: في الصراع الدموي الإرهابي اليومي من قبل مجموعات راديكالية إسلامية وبقايا القوى البعثية المدمرة التي تعمل لتخريب عراق المستقبل، لا يجد الأمين العام للجامعة العربية جهة يستطيع التفاوض معها لإنهاء الإرهاب والدمار.
ولا يجد في الذين يفاوضهم من القوى، الأكراد والشيعة، من يملك النفوذ على هذه القوى المدمرة، واكتشف خلال اتصالاته مع القوى السنية أنها أيضاً ليست صاحبة القرار في إنهاء العمليات الإرهابية المدمرة.
ومع ذلك فإن زيارة الأمين العام ضرورية ومهمة في ترطيب الأجواء المتوترة، بين أطياف المجتمع العراقي. يقول رئيس الوزراء الجعفري: »لقد أعطينا الزيارة اهتماماً خاصاً رغم بعض الملاحظات والتحفظات.
ونعتبر زيارته مكسباً لأنه خرج بانطباعات جيدة عن الوضع في العراق كما أننا نأمل أن تنجح مبادرة الجامعة العربية وسنساهم بها بكل قوة من أجل أن يتبلور اللقاء الوطني".
بينما يقول رئيس الجمهورية جلال الطالباني بعد اجتماعه بالأمين العام في السيلمانية: »إنه يؤيد مبادرة الجامعة العربية لعقد مؤتمر المصالحة الوطنية" مشيراً إلى أن »الجامعة العربية أفضل من يلعب دوراً في العراق، مضيفاً بأن أي حكومة عراقية قادمة ستكون ملتزمة بميثاق الجامعة كون العراق مؤسساً لهذه الجامعة«.
ونستخلص أن زيارة الأمين العالم حصلت على دعم المحورين الأساسين في الحياة السياسية العراقية وهما المحور السياسي الشيعي والمحور السياسي الكردي، فضلاً عن دعم المرجعية الدينية السياسية الشيعية بعد لقاء الأمين العام مع آية الله السيستاني.
وجاء لقاؤه مع المجموعة السنية (تجمع علماء المسلمين) قريباً من النجاح حيث وقف على المرئيات الصعبة التي يراها الفريق السني المعارض، في مطالبة بتحديد موعد للانسحاب الأجنبي، ومعارضة الاجتثاث البعثي، ومعارضة الفيدرالية والاعتراض على الدستور.
ثالثاً: نجحت الزيارة في وقوف الأمين العام للجامعة العربية ووفدها على حقائق ودوافع العراق ومكوناته الإثنية والمذهبية وعلى إفرازات احتكار السلطة من قبل الأقلية السنية وتعايشها مع حزب البعث الذي اغتال العراق وقضى على شخصيته.
قرأت الخطاب الذي ألقاه عمرو موسى في البرلمان الكردستاني الذي يظهر مدى التبدل الذي سببته الزيارة لدى فكر الأمين العام، الذي يقول:
»نعم إن هناك عهداً قد انتهى وان عصراً جديداً يتهيأ له العراق إلا انه يجب ان يجتاز العوائق، أولها ان يتصالح مع نفسه، وان جلوسي على هذه المنصة يمثل لحظة تاريخية فارقة، فقد سررت كثيراً لدى سماعي لحظة وصولي السلام والنشيد الوطني الكردي والعراقي.
وان هذه إشارة مهمة إلى الشكل الجديد للعراق، واعتبر أن إقليم كردستان جزء مهم من الوطن العربي« مشيراً إلى وجود صلة تربط بين الشعبين الكردي والعربي من خلال ثقافتين متداخلتين في العراق.
لم يكن عمرو موسى ولا الجامعة ولا حتى الدول الأعضاء تظهر اهتماماً إيجابياً في الحالة العراقية وكانت جميع الخطوات والتصريحات تنجذب نحو السلبية في إدانة الاحتلال.
ورفع قدر المسؤولين عن التدمير والعنف تحت غطاء المقاومة، كما اتسمت المواقف العربية بشغف نوستلجي نحو العراق العروبي السني. نحن الآن في فصل العراق الجديد، ولا نريد سرد شريط الماضي المؤلم.
رابعاً: نتمنى على عمرو موسى الذي ندعم جهوده نحو الوفاق العربي ومؤتمره القادم أن يحقق بعض الخطوات في تقريب الدول العربية نحو العراق الجديد وفي إعطاء هذا العراق الجديد الموقف الإيجابي الذي يستحقه، بدلاً من إدارة الظهر وممارسة اللامبالاة.
ونعتقد بأن مسؤولية الأمين العام الآن هي نقل ما سمعه وما شهده وما توصل إليه وأكثر من ذلك قناعاته الجديدة إلى الدول الأعضاء في الجامعة العربية، وإقناع هذه الدول بالامتثال لواقع العراق المتجدد والديمقراطي والمنفتح.
ودعم هذا العضو الجديد الذي سيأتي بتجربة مختلفة عن تجارب الدول، وسيجلب معه المشروع الانفتاحي ومشروع التجديد والمساءلة والمساواة وجميعها تشكل العناصر التي تتوق إليها المنطقة.
نتمنى أن يعيد الأمين العام إلى مسامع الدول الأعضاء ما قاله عن العراق بأن الصيغة التي وردت في الدستور »توافقية« وهي لا تنفي أبداً الصفة العربية العامة للعراق.
فالعراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب وهو جزء من العالم الإسلامي وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها.تحياتنا إلى العراق الجديد، وتهانينا لعمرو موسى الذي فتح صفحات من كتاب العراق الجديد، كما يتردد في التعرف إليه.
رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت