ليست هي المرة الأولى التي تتعرض لها سورية إلى هذا الكم الهائل من الضغط والاستهداف المبرمج والمدروس في دوائر صهيونية, أينما كانت تعمل, وتحت أي يافطة, وفي أي عاصمة كانت..‏‏‏

كما أنه ليس المنعطف الأول الذي تمر به سورية, وإن كان الأخطر باعتبار التوقيت, وباعتماد الوسيلة, وبالتالي تحقيق الهدف المزمن, الذي اجتهدت إسرائيل لتحقيقه, وبذلت كامل طاقاتها الاستخباراتية والعسكرية والسياسية, ودعم الدولة العظمى لها, وهو تركيع سورية ودفعها إلى الانخراط في (السياق) الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي من قبل, ويتحدث عنه باستمرار, وهو أن سورية خارج السياق.. وهذا ما تناولناه في (الثورة) منذ يومين..‏‏‏

وقد اجتازت سورية من قبل.. وستجتاز من بعد, المنعطفات والمطبّات وسياسات التكويع والتركيع, وسط دهشة العالم وإعجابه وتقديره لسورية ولشعبها, ولقدرته على التعامل مع الأحداث وتجاوز الصعاب والعقبات ومن ثم استئناف مسيرة الحياة كما ينبغي بهدوء واستقرار وثقة بالنفس وبالشعب وبالتفاعل الحي القائم بين القائد الرئيس بشار الأسد والشعب.‏‏‏

ويسألون.. ويتساءلون عن السرِّ الكامن في المعادلة السورية, والقدرة الفائقة على اجتياز الصعب من الامتحانات, والخطر من المنعطفات, وهم يتجاهلون أن العزف على وتيرة التفريق بين الشعب وقياداته السياسية, إنما يزيد من اللحمة القائمة بينهما, ويرفع من الشعور بالمسؤولية عند كل مواطن سوري أينما كان موقعه السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي, وأن الفروق التي يمكن استغلالها من قبل أعداء سورية هي مدعاة التوحد داخل سورية, وأن الرّهان على الضعف أو التداعي هو نقطة ارتكاز جديدة يبني عليها السوريون للانطلاق في خطواتٍ جديدة إلى عتباتٍ جديدة, وابتكار أفكارٍ جديدة, يتسابق فيها المواطنون على من يستطيع أن يقدم لبلده ووطنه أكثر من الآخر.. وفي المقدمة التضحيات الجسيمة التي يتطلبها الدفاع عن هذا الوطن الصغير, الذي يراه السوريون بحجم الكون وغناه وبثروات الأرض.‏‏‏

لا نخشى الجوع.. ولا العطش.. لكننا نخشى الشّبع بلا كرامة.. والتّخمة بلا وطن.. والثّراء بلا وطنية.. نخشى أن نتحوّل إلى أرقام في عدادات (الديجتال) الأمريكية, تذوّب هويتنا الوطنية والقومية في خضمّ الشرق الأوسط الجديد المزمع إقامته على النمط العراقي الراهن.. واللبناني المرشّح, ووسط هيمنة إسرائيلية لن تُبقي من البشر والحجر إلاّ ما يخدم مخطط إسرائيل التوسعي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية ولو على حساب دافع الضريبة الأمريكي أو على حساب قيم ومبادئ المجتمع الأمريكي, الذي نحترم ونقدّر بقدر ما ندين سياسات إداراته التي تجاهلت حقوق الأمتين العربية والإسلامية المشروعة, لتتبنى أطماع إسرائيل وحلمها في الهيمنة والسيطرة على المنطقة... ويتهافتون للبحث عن سبل تحسين صورة أمريكا في المنطقة, وإعادة تلميعها من جديد..!!‏‏‏

لهذا نملك السر ونحتفظ بكلمته المتعارف عليها كلّما مرت سورية في منعطف.. أو كلّما تعرضت إلى تهديدات مباشرة أو غير مباشرة, الوحدة الوطنية.. والتلاحم الشعبي والاتحاد الكلي مع القيادة السياسية, وفي مقدمتها السيد الرئيس بشار الأسد, بحيث تصبح سورية قوة بشرية ضاربة ليس بعدد سكانها.. ولا بإمكاناتها العسكرية والمادية, وإنما بالوحدة الوطنية التي اعتدنا تكريسها ورفعها شعاراً واحداً ووحيداً, والتي نقدّمها لأنفسنا, ولأمتنا العربية, وشعبها العربي الواسع..‏‏‏

هذه هي سورية, وهي بالتداعي نقول إنها الدولة الوحيدة بين دول العالم الثالث والثاني كلّه غير المَدينة لأحد, لا للصناديق الدولية ولا للمؤسسات الاقتصادية الكونية ولا لصناديق المال المموَّلة من موازنات صنّاع القرار في العالم, الذين يريدون تحويل دوله إلى مستجدين لاستقلالهم أمام أبواب المانحين الذين لا يمنحون إلاّ بشروطهم السياسية والاقتصادية.‏‏‏

وهي الدولة الأقدر على إطعام شعبها وإكسائه, وتقديم مستلزمات الحياة له, بما فيها العلم والتعلّم والمعرفة والابداع, والدواء وغير ذلك, ومن قدراتها الذاتية, ومن إنتاجها الوطني, ومن غنى شعبها الطيب وعطاءاته السخيّة في السائد من الأيام والعادي من الزمن, كما في المنعطفات كالذي نتعرض له..‏‏‏

ولهذا تجد سورية متسعاً للنهوض.. ومجالاً واسعاً للتحرّك, وصدىً طيباً عند الأصدقاء والأشقاء على مساحة الوطن العربي والعالم, وفي المقدمة في هيئة الأمم المتحدة, وبين كواليسها وعند صنّاع القرار فيها, سواء تفهمّوا أم تجاهلوا.. تعمدوا الاستهداف أو مارسوه تحيزاً وانحرافاً أوتجنّياً, فالصحيح صحيح في مكانه وفي زمانه والحق حق مهما لوَت عنقه قوى الشر والعدوان..‏‏‏

لم تُدوَّر زاوية المنعطف الحادة بعد.. ولم تخفّ خطورة الاستهداف.. ويبدو أننا أمام مرحلة جديدة تستوجب المزيد من التلاحم الوطني واتخاذ المزيد من الإجراءات والمبادرات لتحقيق المزيد من الوحدة الوطنية التي تجعل الرهان على أي اختراق داخلي أمراً مستحيلاً, مهما اشتدت الضغوط, ومهما تكالبت قوى الشر, ومهما تطوّرت التداعيات, التي يريدونها وسيلة للنيل من سورية, ومن مواقفها الوطنية والقومية, ومن خلالها استهداف أمتنا العربية في هويتها ووجودها, وحقها في الحياة الحرة الكريمة ونريدها منصّة انطلاق لبناء سورية الحديثة كما يريدها السوريون لا كما يشتهي الأعداء.‏‏‏