الكلمة العليا في المصالح الدولية، تبدأ من الاقتصاد وتنتهي إليه، والدول الخليجية التي تشهد طفرة جديدة نتيجة عائدات النفط، بدأت ترسخ مفهوم الشراكة الواحدة في التبادل الاقتصادي وهي إجراءات لم تأت من قوانين ونظم مجلس التعاون، وإنما من ترتيبات جرت عليها كل دولة، وكانت دبي رائدة في الانفتاح وتسهيل أدوات عملها، في مرونة تحديث الأنظمة وسرعة الإجراءات، ثم تبعتها البحرين بمحاولة اللحاق بإطلاق مشاريعها الاستثمارية بأقل القيود.
ولعل صورة المكتتبين السعوديين في دانة غاز بالإمارات، وناس البحرينية وما أثارته من تعليقات وتصريحات وآراء مؤيدة ورافضة لذهاب المساهمين لقنوات أخرى نتيجة ضيقها بالداخل، قد تكون أهدافها أعلى وأكثر توفيقاً لو أحسنت سياسة سيولة هذه الأموال بين دول مجلس التعاون الخليجي..
صحيحٌ أن المملكة مركز الثقل في سوقها وسيولة أموالها وقوتها الشرائية وتعداد سكانها الباحثين عن منافذ ربح في أي اتجاه، حتى إن استثمارات القطاع الخاص في الدول العربية والخليجية وكم أسهمها المتداولة في سوقها الداخلي تعتبر الأكبر والأهم.
ولعل الجانب المضيء في فتح المنافذ للاستثمارات البينية بين دول المجلس أن هذه المصالح التي بدأت من المواطن العادي، قد تصلح ما أفسدته السياسة، والنظرة القطرية، وحواجز الأنظمة، لأن هذا التقارب بين المواطنين في شراكة لتأسيس ميدان عمل استثماري واحد، قد يلغي الكثير من الحساسيات، ومع افتراض أن الوطن أحق بأموال مواطنيه، فالأموال المهاجرة للعالم الخارجي من المواطنين الخليجيين أكبر بكثير من توظيفات أموال المساهمين الصغار، أو محدودي الدخل، بل إن ما يصاحب هذا النشاط من وعي متبادل في المصالح، والأهداف، قد تكون دوافعه أهم وأكبر من قضايا تنظيمية بطيئة، وأخرى متحركة، لأن العائد على هذه الدول اجتماعياً، واقتصادياً وحتى سياسياً، ربما يخلق ظروفاً أفضل لتذليل مصاعب تشكيل اتحاد خليجي أكثر تماسكاً وقوة..
ومع تقدير المخاوف التي يطرحها بعض المحللين الاقتصاديين من خسارتنا لفرص بين أيدينا، واستهجان البحث عن مصدر خارجي للاستثمار، مع عدم قدرتنا على توظيف السيولة النقدية في الداخل، فإن الموضوع أهم من ذلك، إذ إن نشوء بيئة استثمار وتوفير، والتنبه إلى أن هناك مناخات مفتوحة قادرة على إيجاد البديل، تعتبر حلقة في وعي خليجي عام قد يجعل من هذه النافذة الصغيرة المفتوحة، باباً لنشوء سوق واحدة وخطط متبادلة، أو بمفهوم عام ربما أن ما أفسدته السياسة يُصلحه الاقتصاد..