كيف يمكن أن يكون للزمن وقعان متضادان: وقع خفيف لا نحس بخطوه المتسارع، وآخر ثقيل لا نحتمل حركته البطيئة التي تكاد تطبق على أنفاسنا فتخنقنا؟
هذا هو الفرق بين أوقات الفرح التي نعبرها خطفاً كما يلوح بارق، وبين ساعات الحزن التي تنغرس عقاربها في أعماق القلب فيسري سمها بين شعاب النفس، ويفيض نهراً يغرق كل مراكز الحس.
ثمة أناس يعبرون في حياتنا لا نحس بورودهم على نهر الحياة ولا نحس بارتحالهم عنه، وثمة أناس تحتفي الحياة نفسها بورودهم على نهرها أيَّ احتفاء، وتجف عند رحيلهم منابع الفرح فلا تعود فيها قطرة ماء.
من هذه الفئة كان زايد وهكذا عاش بيننا؛ مصدراً للفرح حيثما حل، وزارعاً للخير في كل حقل، وباعثاً للأمل في نفس كل رجل وامرأة وطفل. وهكذا رحل عن دنيانا تاركاً في كل ناحية من أرض الوطن معلماً وشاهداً على الإنجاز، وضارباً أصدق المثل على قدرة الإنسان على الإعجاز.
لم يكن زايد حاكماً من أولئك الحكام الذين ترزح شعوبهم تحت وطأة حكمهم، ولا رئيساً من أولئك الرؤساء الذين تأتي بهم صناديق انتخاب أو استفتاء مزورة، ولا قائداً من أولئك القادة الذين يتحولون إلى أصنام يقترفون أكبر الآثام ثم يدّعون أنهم قد أوتوا مالم يِؤتَهُ أحد من الإلهام، فقد تسلل زايد إلى القلوب.
وتربع على عروشها قبل أن يأخذ مكانه الطبيعي على كرسي الحكم، لذلك كان زايد الإنسان هو من تعلقت به قلوب الناس وأحبته قبل أن تمتد إليه الأيادي مبايعة إياه حاكماً ورئيساً وقائداً لم يعرف التاريخ له مثيلاً.
حدث ذلك في زمن كان نداء الحياة للتغيير فيه قوياً، وكانت كل مظاهرها حول شعب الإمارات تتحول وتتبدل، وكانت كل الظروف فيه مهيأة لحدوث معجزة من نوع ما، وكان الشيء الوحيد الذي ينقص المشهد قبل زايد هو وجود رجل مثله يقود الركب كي يعبر به الصحراء.
أو يحول الصحراء نفسها إلى جنان خضراء.
وتحققت المعجزة على يد زايد الخير، بل إنها تجاوزت ما كان متوقعاً لها بكثير، فخرجت عن نطاق الوطن الصغير لتعمَّ الوطن الكبير، ثم عبرت الحدود ليصل خيرها إلى أقاصي المعمورة، ويغدو زايد أسطورة قلما يجود بمثلها الزمان في زمن لم يعد للأساطير فيه مكان.
عام على الرحيل.. عام هو بكل المقاييس ثقيل. تحول وقع الزمن فيه إلى مطارق تؤلم الوجدان أكثر مما يصم طرقها الآذان. فقد كان زايد بيننا هو صمام الأمان، ومصدر الدفء ومنبع الحنان.
حنان القائد الذي يعرف كيف يشعر شعبه بأن كل فرد من أفراده هو ابن له، حنان الأب الذي يعرف كيف يشعر كل واحد من أبنائه بأنه الأثير لديه، فكيف بعد هذا كله لا تجري أنهار الدمع حزناً عليه؟!
هل يحق لنا أن نفخر ونتباهى بأننا قد عشنا في عصر زايد؟
نعم يحق لنا ذلك بالتأكيد.. فمن عاش في عصر زايد لا شك محظوظ، لأن مظلة زايد الخير قد أظلته، ولأن يد زايد الخير قد رعته، ولأن قلب زايد الكبير قد احتواه. فهل ترانا اغتنمنا الفرصة جيداً، وأعطينا عصر زايد حقه كما أعطانا زايد كل حقوقنا ولم يبخل علينا بشيء حتى وهو غائب عن دنيانا؟
نتمنى أن نكون قد فعلنا ذلك.. وإن لم نكن قد فعلناه على الوجه الأكمل فمن حق زايد علينا أن نكمل مسيرته، وأن نحقق له ما كان يأمله منا، وفاء له وحباً، وأداء للأمانة التي وضعها في أعناقنا واثقاً من أننا جديرون بحملها.
واليوم..
وبعد عام من رحيل زايد ورغم كل المرارة التي تجرعناها ونتجرعها كل يوم منذ فاجأنا الرحيل الذي نؤمن بأنه حق، فإن ثمة شعوراً يملأ نفوسنا بأن زايد لم يرحل عنا.
وأنه مازال مقيماً بيننا، ضارباً في أعماق وجداننا، لأن من يرحلون عن الوجدان برحيل الأبدان هم أولئك الذين لا يتركون أثراً في الحياة، أما من كان مثل زايد فإن كل حبة رمل في الإمارات تقول إنه باق، وكل شجرة غرستها يده المباركة تأبى الفراق.
وكل نسمة تهبّ تحمل لنا رائحة زايد الذي تُعطر ذكراه المكان كلما دق ناقوس ذكرى الرحيل، لنستعيد شيئاً من سيرة الراحل الكبير الذي علمنا أنها وحدها الخالدة هي الأعمال، أما الأبدان فإن مصيرها إلى زوال.
في ذكرى الرحيل الأولى نقول:
مازلت يا زايد مقيماً في قلوبنا، وستبقى متوجاً عليها مهما توالت السنون وكلما تعاقبت الذكرى، فالعظماء أمثالك لا يغيّبهم الموت عن مسرح الحياة لأن أعمالهم حاضرة في كل زمان، وإنجازاتهم شاهدة في كل مكان، وغرسهم يطرح ثماره في كل أوان، فما أعظمك من راحل مقيم.
وما أطيب ثمار غرسك العظيم، وما أصعب الرحيل على قلوب من أحبوك ويتجرعون كل يوم ذكرى رحيلك المر الأليم!
aliobaid2000@hotmail.com