ما يشفع لي الخوض في حكاية التحذير الذي أطلقته »البيان«، هو أنني كتبت مقالاً نشر منذ عام ونيف بعنوان »صحافيون على مرمى طبق«، عن التشوهات التي أصابت علاقة بعض الصحافيين بمؤسسات المجتمع ومصادر الأخبار.
وإن كان في سياق آخر يختلف في الشكل وليس في المضمون. أقول يشفع لي حتى لا نُتهم بالممالأة والمهادنة أو أية شبهات أخرى.لا يمكن الإنكار بأن التحذير الذي نشرته "البيان" والمتعلق بالتجاوزات الحاصلة في علاقة الصحافي بمصادر أخباره، قد أثار دهشة الكثيرين، بل وضيق بعض الزملاء.
حيث ـــ رأوا في تسرع واضح ـــ إن هذا »التنويه« أو الإنذار بمثابة تهمة دمغت سمعة المحررين بالمؤسسة، بل واعتبروها إشهاراً بالفضيحة أمام زملاء المهنة في صحف الدولة، وكأن إدارة الجريدة فاتها هذا الأمر، أو لم يخطر على بالها احتمالات الأثر الناجم عن هذا التعميم.
لكن قليلاً من الروية والتأني في قراءة بواطن هذا التحذير سوف يقودنا إلى المعنى الحقيقي الذي توخته "البيان" في ما نشرت.حيث كان بإمكانها أن تكتفي بنشر تحذير داخلي، أو توجيه إنذار شفاهي أو كتابي لمن يقعون في هذا الخطأ الأخلاقي، وكفى المؤمنين شر القتال.
لكن ما نراه هو أن »البيان« أظهرت شجاعة أدبية علنية غير مسبوقة على حد علمي، خاصة أن نشر التحذير في صفحاتها الأولى أعطاه ثقلاً من وزن مانشيتات الأخبار السياسية والمحلية الساخنة، ما يدل على أن الجريدة لا تخاف لومة لائم في كشف الأمور الفاسدة.
وأنها على استعداد لنشب أظافرها في كل من يحاول المساس بسمعتها، وكأنها تقول:"الجريدة فوق الجميع«، وهو معنى يدعو إلى التجرد والانتماء اللذين يغفل عنهما بعض العاملين في حقل الصحافة.
لقد سمعت بأذني، ورأيت بعيني مدى احتجاج وغضب بعض الصحافيين المحنكين في مجلة عربية شهيرة تُطبع في أوروبا بسبب تصدر غلاف أحد أعدادها لصورة مستشرق فرنسي له حوار شامل وخطير داخل العدد، ومع ذلك لم يشفع هذا الحوار المهم لصاحب صورة الغلاف، لأن الرجل، حسب رأيهم، غير معروف بالقدر الذي يوصله إلى غلاف المجلة.
فإذن هذا حال صورة رجل مفكر له إسهامات قيمة في الاستشراق والحركات الإسلامية، فضلاً، وهو الأهم، ابتعاده النهائي عن ألاعيب الإعلانات، فما بالنا بالأخبار التي تُنشر على طريقة »التوصيل للمنازل".
هذا الدرس يعلمنا أن الصحيفة أو المجلة ليست دكاناً يفتح أبوابه لكل من هب ودب، وفي كل الأوقات. وأن الخبر الصحافي، أياً كان شكله، يجب أن يخضع لمعايير مهنية صارمة من حيث العنوان وصياغته وقوة خبريته ومكان نشره.
نشر "البيان" لهذا التحذير في صفحتها الأولى له، في رأينا، عدة أهداف، منها أن الجريدة نأت بنفسها بكل وضوح عن بركات رضا المؤسسات والشركات والدوائر والأندية.
وأن رضاها الحقيقي هو الحقيقة الخبرية غير المغموسة في جبر الخواطر، وأن الجريدة بمقدورها أن تقول للغول: »عينك حمرا«، وأن مبدأ الشفافية الذي استنته في تطورها الأخير لم يكن من فراغ، أو مجرد شعار دعائي.
كما أن »التحذير« وجه رسالة مدوية لكل أطراف الإشكالية، ما يعني أن{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} كذلك طريقة نشر "التحذير" تعني ضمن ما تعنيه أن الجريدة لديها الجرأة الكاملة على استئصال أي أورام، ولو أوجعها المبضع.
ونزعم في هذا السياق أن ما فعلته »البيان« هو أنها رمت الكرة في ملعب الجميع، أفراداً، ومؤسسات، وجرائد أخرى.كان الصحافي الكبير لويس جريس رئيس التحرير السابق لمجلة "صباح الخير" المصرية، يقول نقلاً عن أستاذه الألماني: »إن الصحافي الحقيقي عندما يذهب إلى مصادر أخباره، عليه أن يغلق جيوب بنطاله«.
رغم انحيازنا وتقديرنا لطريقة نشر هذا التحذير المجلجل، فإن ذلك لا يمنع أن يقوم رؤساء التحرير كافة بالبحث عن دوافع هذه السلوكيات، فإذا وجدوا حلاً، كان بها.. أما إذا أعيتهم النفوس الضعيفة ودناوتها.. فالحل معروف.