دخلت العلاقات بين العمليات المجتمعية المختلفة، الاجتماعية ـــ الثقافية والسياسية والاقتصادية والإعلامية ـــ المعلوماتية، مع نهاية القرن العشرين مرحلة جديدة من التطور شهدت تصاعد حدة التنافس، وتقوية عرى التعاون، والانجذاب قسرا نحو التكامل. وهذا فرض على تلك العمليات إقامة علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف والمستويات والغايات فيما بينها.

وذلك بهدف التحكم في وتيرة التحولات الاجتماعية والتأثير في مسيرة العملية التاريخية. ولقد كان هذا إيذانا بولوج عملية التطور المجتمعي مرحلة من الفوضى شبه المنظمة تُنبئ بحتمية حدوث تحولات اجتماعية كبيرة وعميقة من الصعب تحديد هويتها بدقة.

ومن الأصعب التكهن بنتائجها بثقة. وفي الواقع، وخلافا لما كان عليه الحال في الماضي القريب، كان لتحرر العملية الاجتماعية ـــ الثقافية والعملية الاقتصادية والعملية الإعلامية ـــ المعلوماتية من جبروت وهيمنة السلطة السياسية.

وعدم تكافؤ ما تملكه تلك العمليات من أدوات تأثير مجتمعية الفضل الأكبر في هدم التوازنات الوطنية والدولية القديمة. ولقد رافق ذلك التطور تحرير الإنسان، خاصة في الغرب، من القيود السياسية وغير السياسية.

وإقرار مواثيق حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وانطلاقه نحو تحقيق المزيد من الانجازات العلمية والتكنولوجية والمعرفية، ولكن على حساب العدالة الاجتماعية والتوازنات السياسية والثقافية والاجتماعية.

إن من أفضل الأمثلة التي توضح مدى خضوع عملية التطور المجتمعي لفعل أكثر من عملية مجتمعية واحدة ما يحدث اليوم لمفاهيم رأس المال، والثقافة الوطنية، والسيادة الوطنية، والمصلحة القومية، والثروة.

والصراع العرقي، وغيرها من مفاهيم وقضايا أساسية. وعلى سبيل المثال، كان للتقدم الهائل في وسائل المواصلات في أوائل القرن العشرين الفضل الأكبر في تنشيط التجارة الدولية وتشجيع مختلف الدول على شن التشريعات والترتيبات الداخلية، والاتفاق مع الغير من الدول حول إقرار المعاهدات .

وإقامة المنظمات الدولية لتنظيم التجارة البينية والحفاظ على حقوق المشاركين في المعاملات التجارية والمالية بوجه عام. وبعد حدوث ثورة الاتصالات في النصف الثاني من القرن العشرين أصبح بالإمكان تدويل أسواق المال والاستثمار، والإسراع في تدويل أسواق التجارة.

وإلغاء الحدود الجمركية بين مختلف الدول الغنية والفقيرة على السواء، مما ترتب عليه إضعاف العملية السياسية عموما، واختزال قدرات كل الدول على التحكم في السياسات الاقتصادية والمالية داخل وخارج حدودها السياسية ومناطق نفوذها الأمنية.

إن قيام أسواق المال العالمية بتحويل أكثر من ألف مليار دولار يوميا من عملة لأخرى، وذلك لتمويل عمليات تجارية واستثمارية ومن اجل المضاربة في أسواق العملات والأسهم العالمية، مكن العملية الاقتصادية من تجاوز العملية السياسية والإفلات من قبضتها.

كما كان لتذبذب قيمة العملة الأميركية أثر بالغ على معدلات النمو الاقتصادية والأوضاع المالية لمئات الملايين من الناس ولآلاف الشركات والكثير من الدول والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. إذ بينما استفادت بعض الجهات من تذبذبات قيمة الدولار، تضررت جهات أخرى، وذلك دون أن يكون للمستفيدين أو للمتضررين خيار فيما يحدث في هذا المجال.

إن انخفاض قيمة الدولار يؤثر سلبا على موجودات الدول التي تحتفظ بالدولار كعملة احتياط رئيسية، وعلى مداخيل الدول والصناعات التي تسعر صادراتها ومنتجاتها بالعملة الأميركية، كالدول المصدرة للنفط والقهوة والشاي .

وغيرها من مواد أولية وغذائية. أما الدول المدينة التي اقترضت من الخارج بالعملة الأميركية، والشركات التي تعاقدت على الشراء بالدولار فتتأثر إيجابا بانخفاض قيمة العملة الأميركية.

وهذا يعني تراجع قدرات كل الحكومات على التحكم في سياسات بلادها الاقتصادية والمالية، واختزال معنى وأبعاد السيادة الوطنية، ودخول العالم، دولا وشعوبا ومؤسسات، مرحلة جديدة من التحول الذي يتصف بالديناميكية والعمق والشمولية.

كانت العملية السياسية، وحتى منتصف القرن الماضي، العملية الأكثر هيمنة على المجتمع، والقوة المسؤولة أساسا عن أهم الأحداث الدولية، حيث قامت بالحملات الاستعمارية وشن الحروب المدمرة من اجل التوسع على حساب الغير. أما العملية الاقتصادية، وبالرغم من أهميتها بالنسبة للاستعمار أداة وهدفا، فقد كانت بحاجة لحماية ودعم العملية السياسية.

خاصة فيما يتعلق بحماية الممرات التجارية ومرافقة الحملات الاستعمارية. وهذا قاد العملية الاقتصادية إلى التقارب من العملية السياسية والعمل على خطب ودها والاستفادة من خدمات رجالاتها في الأمور الإدارية والأمنية.

في النصف الثاني من القرن الماضي، انتهت وصاية العملية السياسية على العملية الاقتصادية، حيث قامت الأخيرة بالتحول نحو العملية الإعلامية-المعلوماتية للتعاون معها والعمل معا على إضعاف العملية السياسية والاستيلاء على بعض مهامها المجتمعية.

على سبيل المثال، شهدت فترة تراجع أهمية ودور العقائدية في الحياة المجتمعية، وذلك بعد فشل الماركسية وانهيار الاتحاد السوفييتي وظهور عصر المعرفة، قيام العملية الإعلامية ـــ المعلوماتية بالاستيلاء على الدور التقليدي للحزب في المجتمعات الغربية الديمقراطية، وبالتالي تقليل هيبة كل المؤسسات السياسية.

ولما كانت الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية هي المراكز الرئيسية لتنشئة ورعاية القيادات السياسية المستقبلية، فقد أصبح من الصعب تبلور قيادات سياسية جديدة داخل المؤسسات الحزبية والحكومية يكون لديها من القدرات والمهارات والرؤية ما يكفي للقيام بدور مجتمعي قيادي فاعل.

وفي الواقع، ودون شرح أو تفصيل، لا أعتقد أن البيئة الاجتماعية والثقافية والإدارة المؤسسية التي يقوم عصر المعرفة بتشكيلها اليوم تسمح بظهور قيادات تاريخية أو أفكار قيادية أو فلسفات شمولية في المستقبل.

من ناحية أخرى، قامت العملية الإعلامية ـــ المعلوماتية بتمكين الأقليات الثقافية والقومية والدينية في مختلف الدول من إعادة اكتشاف وإحياء ثقافاتها التقليدية.

إذ أصبح على سبيل المثال بإمكان الأقلية الجزائرية والمغربية في فرنسا، والأقلية المسلمة في أميركا، والتركية في ألمانيا، والهندية في بريطانيا، إقامة قنوات تواصل يومي وفوري مع مراكز ثقافاتها القومية والتفاعل معها.

وهذا يعني أنه في ضوء ما وفرته العملية الإعلامية-المعلوماتية من معلومات وحريات أصبح بإمكان كل الأقليات أن تطالب الدولة حيث تعيش باحترام حقوقها الخاصة، ومنحها حرية ممارسة تقاليدها الثقافية وطقوسها الدينية.

نتيجة لذلك ظهر في كل دولة عدد من الثقافات الفرعية أو الثقافات التحتية على أساس الدين أو التاريخ أو العرق، حيث اتجهت تلك الثقافات إلى التنافس وأحيانا إلى التصارع فيما بينها.

وبالتالي إضعاف الثقافة الوطنية والهوية الوطنية، وإدخال الأخيرة دوامة الصراع مع الذات والآخر. إن غالبية الأقليات الثقافية والدينية التي تعيش اليوم في الغرب، كالأقلية العربية في فرنسا.

والمسلمة في أميركا وبريطانيا أصبحت تعيش في جيتوهات ثقافية بعيدة عن ثقافة الوطن الأم ومعزولة عن ثقافة الوطن البديل.إن الوحدة الثقافية التي سادت في الماضي القريب وساهمت في تعضيد وحدة وتماسك الدولة القومية دخلت اليوم عالم التآكل والنسيان.

وأنه ليس بالإمكان إحياؤها أو ترميمها أو صيانة بقاياها. لذلك أصبح لزاما على كل الثقافات الوطنية أن تعي هذه الحقيقة وأن تدرك أبعادها السياسية والاجتماعية، وأن تعترف بشرعية وحتمية التنوع الثقافي.

وأن تعمل على تحقيق التعايش والتكامل بين الثقافات المتنوعة. إن الفشل في إدراك هذه الحقيقة من المؤكد أنه سيؤول آجلا أم عاجلا إلى تعميق الخلافات بين الأقليات، وتكريس أسباب الصراع في المجتمع الواحد.

أما محاولات الدفاع عن الذات الثقافية، وذلك كما تفعل فرنسا والدول العربية اليوم، فلن تنجح في حماية الثقافة الوطنية، ولن تقوى على وقف مد التنوع الثقافي، ولن تستطيع الحيلولة دون انسلاخ النخبة الثقافية والاقتصادية والسياسية عن المجتمع وانضمامها للنخبة العالمية وثقافتها الكونية.

إن ارتباط أكثرية المعرفيين والأثرياء ورجال المال والأعمال في العالم بثقافة كونية واحدة يجعلهم الأكثر قدرة على التأثير في تيارات التطور العالمية وتسخيرها لخدمة مصالحهم الذاتية.

كما يجعلهم الأقل ميلا وحاجة للدخول في صراعات سياسية أو عقائدية. أما أتباع ثقافات الأقليات الذين يعانون أصلا من الانعزال والعزلة والتفرقة العنصرية فيعتبرون الأكثر ميلا للصراع مع الآخر والأقل تسامحا مع الغير من أتباع الثقافات الأخرى.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

professorrabie@yahoo.com