استوقفني تقرير نشرته صحيفة "خليج تايمز" يوم الخميس الماضي على صفحتها الأولى تحت عنوان "استنزاف العقول يضر بالإمارات" نقلت فيه عن تقرير للبنك الدولي قوله إن اثنين من بين كل ثلاثة مواطنين إماراتيين يتركون البلاد هم من العمالة الماهرة.
وقال التقرير إن الإمارات تحتل المرتبة الرابعة في قائمة الدول التي تفقد عمالتها الماهرة لصالح دول أخرى، حيث أن 67% من المواطنين الحاصلين على مؤهلات علمية يسعون للحصول على فرص عمل في دول أخرى. وقال التقرير إن ذلك يعني أن الإمارات تعاني من استنزاف العقول!
التقرير استوقفني لأسباب عدة: الأول يكمن في عدم نشر الصحف الأخرى رغم انه حسب »خليج تايمز« منقول عن تقرير للبنك الدولي الذي غالباً ما تؤخذ تقاريره وتغطى في صحفنا المحلية.
أما السبب الثاني فهو شعورنا بأن نسبة 67% التي أشار إليها التقرير بالنسبة للمواطنين الحاصلين على مؤهلات علمية والباحثين عن فرص عمل في دول أخرى نسبة مبالغ فيها وليست منطقية. إذ تعني أن البلد يعتمد فقط على 33% من مواطنيه المؤهلين، ويخسر البقية لصالح دول أخرى، وهو ما نشك في صحته.
التأكد من مصدر التقرير وصحة المعلومات الواردة فيه ليس مسؤوليتنا فهناك جهات مسؤولة عن ذلك. لكن الأمر الذي يعنينا هو مناقشة القضية التي طرحها التقرير فيما لو كانت صحيحة. فهجرة المواطنين لو صح الأمر ستكون من أكثر المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي ستؤثر على مستقبل الوطن.
نعلم بوجود بعض من المواطنين الحاصلين على مؤهلات علمية الذين اختاروا الاستقرار في الغرب، لكننا لا نتخيل أن تكون نسبتهم 67%، فالإمارات تنمو اقتصاديا وتخلق مع هذا النمو فرص عمل كثيرة الأمر الذي يجعلها محط أنظار الآخرين للقدوم إليها والعمل فيها، فكيف تعجز عن توفير فرص عمل مماثلة لأبنائها؟
إذا كان الأمر صحيحا فلابد إذن من فتح هذه القضية وتباحثها وإحصاء أعداد المواطنين الباحثين عن فرص عمل خارج الدولة ومعرفة الدوافع الحقيقية التي قد تضطرهم لذلك. هل هي بسبب عدم وجود فرص عمل تناسب مؤهلاتهم وتخصصاتهم، أم بسبب تدني الرواتب والحوافز في الوظائف التي يعملون فيها أو بسبب أوضاع إدارية واجتماعية تتسبب في رفضهم العيش هنا بعد أن قضوا سنوات طويلة في غربتهم ؟ وغير ذلك من الأسباب التي لابد من الوقوف عندها لاحتضان أبناء البلد ومؤهليه وعدم فتح المجال لخروجهم من البلد والذي سيكون لصالح الدول المُهاجر إليها والتي ستتقدم بجهد أبنائنا على حساب تقدمنا.
هذه القضية التي طرحتها »خليج تايمز« وجعلتها في صدر صفحتها الأولى لأهميتها البالغة إن صح ما جاء فيها، لابد وان تكون على رأس اهتماماتنا، فقضية هجرة المواطنين، إن وجدت، وان كانت تتمثل في حالات قليلة في الوقت الحاضر إلا أنها ربما تشكل جرحا نازفا ستطال آثاره المجتمع إذا لم يلتفت إليها، وإذا لم تدرس دوافعها ووسائل الحد منها.
وستقف حاجزاً كبيراً في طريق تنميته بعد أن تعود الكفاءات وغير الكفاءات الأجنبية إلى بلدانها في الوقت الذي ستكون فيه البلد قد خسرت أثمن عناصر تنميتها من أبنائها. وهو ما لا نتمناه وما لا نتصور أن تسمح الإمارات بحدوثه.
maysaghadeer@yahoo.com