توجد تعريفات نظرية كثيرة لفن السياسة، منها رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وهذه الرعاية تكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشرها عملياً.

والأمة هي التي تحاسب بها الدولة، كذلك انها تعني حمل الهم العام هما شخصيا والعمل على علاج المشكلات التي تواجه المجتمع بالحكمة والعقل والمنطق، وأيضا يراها البعض أنها ليست فقط فن التعاطي مع الممكن، وإنما فن التعاطي مع المتوقع لاسيما في ظل التحولات العميقة المتسارعة التي يشهدها العالم.

استدعاء هذه التعريفات النظرية لفن السياسة، جاء كمحاولة لمقارنتها مع التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، والتي طالب فيها بمحو وإزالة إسرائيل من الخريطة، ما أثار عاصفة انتقادات غربية، وضعت إيران في وضع صعب للغاية.

لكن قبل إجراء هذه المقارنة، ينبغي معرفة الاسباب التي دفعت الرئيس نجاد، الى إطلاق مثل هذه التصريحات، واتخاذ مثل تلك المواقف وفى هذا الوقت بالتحديد الذي يشهد ضغوطا دولية شديدة على بلاده لوقف طموحها في الحصول على التكنولوجيا النووية.

ربما تأتى في مقدمة الأسباب، ان نجاد لديه قناعات فكرية تغذيها إيديولوجية دينية رافضة لهذا الكيان، مثله مثل كثيرين في المنطقة، ونعنى بكثيرين هنا الافراد العاديين الذين يشعرون بان إسرائيل ما هي الا نبته زرعها الاستعمار الغربي على الأرض العربية، لتكون رأس حربة له في السيطرة على هذه الأمة واستنزاف قواها وتفريق شملها وتخريب وحدتها.

كذلك ما دفع نجاد الى تلك التصريحات النارية، هو إحساسه بالغبن الشديد والظلم من المجتمع الدولي الذي يحاصر بلاده بالضغوط من كل اتجاه، لمنع حصولها على »حقها الطبيعي« من التكنولوجيا النووية والاستفادة بها في المجالات السلمية.

في حين ان هذا المجتمع ذاته يتغاضى عن اسرائيل التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي بامتلاكها بالفعل ما لا يقل عن 200 رأس نووي مدمرة، وفق تقارير العديد من الجهات الدولية وكذلك من شهادات شخصيات إسرائيلية رفضت إبقاء هذا الخطر طي الكتمان.

أيضا ربما يكون إحساس نجاد بان الجمهور المتلقي، يريد ان يسمع مثل هذه المواقف القوية والشديدة والعنيفة، تجاه إسرائيل التي تتجبر في المنطقة، وراء تصريحاته التي من المؤكد انه كان يعرف ويدرك أنها ستثير ضجة عالمية وعواصف ستأخذ وقتا طويلا حتى تهدأ.

قراءة تفاصيل المشهد الراهن بكل تشعباته الإقليمية والدولية، تجعلنا نعتقد ان التصريحات العاصفة لم تكن في صالح إيران على الإطلاق، إذ تم استغلالها لتبرير الضغوط التي تمارس عليها، وجعلت حتى بعض حلفاء طهران يبتعدون خطوات عنها.

وهنا تبرز أهمية ان يوازن السياسي بين ما يؤمن به ويعتنقه من أفكار او إيديولوجيا، وبين المواقف السياسية التي ينبغى ان تخرج من عباءة القناعات الفكرية والإيديولوجية، وان تراعى مصالح الشعوب قبل ان تعزف لهم على أوتار مشاعرهم