عندما تستحضره الذاكرة تستحضر فيه أولاً زايد الإنسان. لا أدري لماذا كانت تقاطيع وجه الشيخ زايد، رحمه الله, وأياديه وخطوته وحركته ونظرته كانت بشكل ما تجسد روح هذه الأرض بنقائها وأصلها وتاريخها وعفويتها.
كان صوته يأتي دائماً مطمئناً وناصحاً وموجهاً لأبناء شعبه باختلاف فئاتهم وأعمارهم. هو الرئيس الوحيد الذي يحل على القلب متجرداً من السلطة وبعيداً عن مقاليد الحكم , يحل على القلب إنساناً مهموماً بهم الآخرين إنساناً شفافاً ونقياً رغم تبعات السلطة ومقاليد الحكم.
بقي الشيخ زايد حتى اللحظة الأخيرة مؤمناً بأن الأمم تقاس بأصالتها لا بثروتها. لذلك لم تستحوذ الثروة المادية على اهتمامه كما استحوذت عليه ذكريات الحرمان الذي عاشه أبناء شعبه في قديم الزمن.
كان يردد بأن شعب الإمارات حرم طويلا في الماضي من اية امكانات وأسباب رفاهية كان غيره من الشعوب يتمتع بها وآن الأوان لأن يعوض الشعب هذا الحرمان وينعم بما حباه الله وقدره له من خير وثروة نفطية.
كان أكثر ما يميز هذا القائد هو نقاء سريرته وعفوية أقواله وتصرفاته وفي الوقت نفسه عمق رؤيته واصراره على بناء إنسان الإمارات قبل أي شيء آخر. كانت تصرفاته, غفر الله له, تنم عن إيمان مطلق بأن القيادة هي الصدق في الأقوال والأفعال.
هي تسخير ما حبا الله به هذه الدولة لخدمة الناس والتخفيف عنهم. وطالما كرر في الكثير من المناسبات بأن الثروة النفطية هي حق للشعب ووسيلة لرفع مستواه المعيشي ولتعويض ما فات.
وارتكزت فلسفته على مفهوم انساني بحت ينظر إلى الثروة الحقيقية بأنها ليست ثروة المال بل ثروة الرجال في اشارة إلى ضرورة توجيه الجهد للنهوض بالانسان وبنائه حتى يتمكن من النهوض بمسؤولياته.
هكذا عرفنا زايد قريباً من قلوب الأطفال والشباب والبدو والحضر. عرفناه متربعاً بحب في قلوب الجميع من داخل الدولة وخارجها. نستحضره نحن أبناء الإمارات أباً وأخاً ووالداً قبل أن يكون حاكماً وهنا تكمن قوته.
ويتجلى عمق حضوره في القلوب ومرارة الشعور بفقده. كنا نراه حاضراً في لقاءات مفتوحه ومباشرة مع أبنائه في جولات ميدانية يلتقي خلالها الشباب في مواقع عملهم.
وكبار السن في مزارعهم والاطفال يلتفون حوله بلهفة وفرحة لقاء الأب. كان يحرص على ان يقترب من الاطفال ويوجه لهم حديثه ويداه تشيران إلى من يقوم بإسداء النصح والتوجيه بمحبة يرد عليها الصغار بابتسامات وفرح.
كان يتحرك بين شعبه دون حواجز إيماناً بسياسة الباب المفتوح. هو من قال يوما بأن »الحاكم أي حاكم ما وجد إلا ليخدم شعبه ويوفر له سبل الرفاهية والتقدم, ومن أجل هذا الهدف يجب أن يعيش بين شعبه ليتحسس رغباته ويعرف مشاكله، ولن يتحقق له ذلك إذا عزل نفسه عنهم".
حتى المشاريع الميدانية من عمران وسياحة وتنمية وصناعة وزراعة وغيرها كان, رحمة الله عليه, يتفقدها عن قرب ويتابع تنفيذها ميدانياً. كنا نتعلم منه كيف يكون تحمل المسؤولية، وكيف يأتيك الاطمئنان والشعور بالسلام عن طريق المشاركة والتقرب من الآخرين والثقة فيهم.
في حبه لوطنه ولأبنائه طالما كان يذكّر بأهمية الماضي وبضرورة استيعاب الظروف القاسية التي اتصفت بها حياة الأجداد مؤمناً بأن استشراف آفاق المستقبل يرتكز أساساً على فهم الماضي والحفاظ على انجازاته ومكاسبه.
ومن هنا صب اهتمامه ليس على التراث الشعبي فقط بل على التراث الانساني عامة بتخصيصه جائزة تكللت باسم سموه لروائع التراث الإنساني المعنوي العالمي. علمنا زايد ـــ رحمه الله ـــ بأن بناء دولة عصرية لا يتعارض إطلاقاً مع التراث الإنساني الحضاري.
ولا مع ماضينا وعاداتنا وثقافتنا العربية الإسلامية. وان الأمر يقتضي فقط مهارة في تحقيق العدالة والتوازن بين الأصيل والمعاصر ومن هنا جاء الاهتمام من جانبه بإنشاء المراكز والجمعيات والأندية لتقوم جميعها بتوثيق تراث الإمارات وحفظة. كان مؤمناً لأبعد حد بأن الماضي هو الأساس.
ورغم ارتياحه بما تحقق من نهضة عمرانية في الإمارات إلا انه طالما أكد بأن التقدم والنهضة لا يقاسان بالاسمنت والحديد. كان يصف الأبنية والمنشآت بأنها بلا روح, فالروح لديه يجسدها الماضي والانسان وهما محور أي تطور.
بكلمات سموه كان يرسم نهجاً لأبنائه في مواقع أعمالهم ووظائفهم. لقاءاته مع أبنائه, لمن ينظر إليها بعمق, تنطوي على التعريف بنهج حياتي وتوجيه عميق للمستقبل. في أحد اللقاءات نصح الشباب بالتروي عند التحاقهم بالوظيفة مؤكداً لهم بأن الخبرة تحتاج إلى مدى زمني .
والتدرج في الوظيفة يلزمه الكثير من الصبر والاجتهاد. وإلى جانب النصح في مجال الوظيفة كان يؤكد لأبنائه بأن الاستقرار العائلي هو الأهم وليس الاهتمام بالمظاهر والمغالاة في الأمور.
تحدث عن عادات سيئة تعودها الشباب من مغالاة في المهور إلى بذخ في الأعراس وإسراف يتناقض مع طبيعة أهل الإمارات الأصليين. تبنى الدعوة إلى الأعراس الجماعية وأنشأ صندوق الزواج الذي أنقذ .
وما زال الآلاف من المواطنين من شبح الديون وهمها. هكذا كان زايد يحمل معه مشاعره الأبوية أينما حل يدخل في تفاصيل الأمور التي تشكل هما على أبنائه ويوجه بحلها وتذليلها.
لو نتابع الطريقة البسيطة في التعامل مع الناس، والخط البياني الذي كان يسير عليه ـــ رحمه الله ـــ في اهتمامه بجميع فئات المجتمع، سنلمس عمق الفلسفة التي حددت رؤيته لأبناء شعبه.
ومثل اهتمامه بالرجال والشباب والاطفال، كان نصير المرأة الاماراتية وكافل حقوقها من عمل وضمان اجتماعي وادارة أعمال وتملك, من رعاية صحية واجتماعية إلى امتيازات في الحقوق المدنية بأوجهها المتعددة.
هو القائل بأن جميع مجالات العمل متاحة للمرأة في الإمارات مثلها مثل الرجل" وقال »أنا نصير المرأة أقولها دائما للتأكيد على حقها في العمل والمشاركة الكاملة في بناء وطنها".
واليوم تجني المرأة الإماراتية ثمار هذه الرؤية وهي تحتل اعلى المناصب الادارية في جميع مجالات العمل من دون خجل أو عيب.عندما يتحدث زايد، فإن كلماته كانت تضرب صميم القلب. كانت كلماته هي الصدق بعينه لأنه لا يعرف غيره .
وكانت نواياه, كل نواياه, تصب من أجل مصلحة هذا الوطن أولاً وأخيراً الاهتمام الشخصي الذي كان يحمله, رحمة الله عليه, لكل ما يهم إنسان الإمارات أوجد له مكانه في قلب شعبه قلما حظي بها حاكم في هذا الزمن.
رحم الله زايد.. وجعل الجنة مسكناً لروحه الطاهرة.
Heyamm@albayan.ae