طالب رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وزراءه، غير مرة بالكف عن إطلاق التصريحات الخاصة بما يجري في لبنان وسوريا. ولم يخف أنه لا يفعل بذلك سوى التعبير عن رغبة أميركية نقلت إليه من قبل مستويات عليا، تريد واشنطن من تل أبيب أن "تستفيد وتسكت« أو بكلام آخر، أن تستفيد وهي ساكتة تكاد تقول لها »نعمل لأجلكم، ساعدونا بصمتكم".

يدرك المسؤولون الأميركيون جيدا الآثار الضارة لأي تعليق أو تدخّل إسرائيلي فعندما صرّح وزير الخارجية سيلفان شالوم أن صدور القرار 1559 هو ثمرة جهد دبلوماسي إسرائيلي لم يفعل بذلك سوى إلقاء الشبهة على مؤيدي هذا القرار اللبنانيين وبالتالي تعقيد مهمة القائمين على تنفيذه.

ان الدولتين راعيتي القرار، فرنسا والولايات المتحدة، تقدمانه بصفته حامل الديمقراطية إلى لبنان والداعي إلى احترام الدستور والمشجّع إلى انتخابات حرة والضاغط من اجل انسحاب القوات السورية لصالح السيادة اللبنانية والمطالب بنزع سلاح الميليشيات للمساعدة على استعادة الدولة سلطاتها..

ان القرار، من وجهة النظر هذه، هو تعبير عن المصلحة الوطنية اللبنانية الصافية وليس مستحبا، والحالة هذه، أن تبدو بصمات إسرائيل واللوبي المؤيد لها في أميركا، عليه.

وإذا كان هناك من يريد استخدام التحليل السياسي والاستراتيجي ليكتشف المصالح الإسرائيلية فليفعل ذلك ولا ضرورة لتدخل فج يقدم معطيات تسند هذا التحليل.

تقضي الحقيقة القول ان إسرائيل التزمت إلى حد بعيد النصيحة الأميركية، ومارس المسؤولون فيها، خلافا لعادتهم في الثرثرة، ضبطا للنفس. فعلوا ذلك مكرهين لانهم يكرهون ان تعاملهم الولايات المتحدة مثل »عشيقة« لا تستقيم العلاقة معها إلا إذا كانت سرية.

لا يحبون ذلك فعلا ولكن »التضحية« واجبة عليهم احتراما للحليف الاستراتيجي وللمصلحة الوطنية وربما وجب أن نضيف عاملا إلى ذلك التكتم مؤداه أنه يصعب على إسرائيل بعض الشيء أن تبدو متدخلة في الشؤون اللبنانية ورئيس وزرائها هو أرييل شارون الذي تستفز ذكراه لبنانيين كثيرين وان كانوا متناقصي العدد.

سكتت إسرائيل وتصرفت أميركا وارتكب المسؤولون في سوريا ولبنان ما طاب لهم من الأخطاء حتى بدا أنهم لا يعرفون فعل شيء آخر. وكانت النتيجة أن آلت التطورات.

وبعد "الانقلاب الانتخابي" في بيروت، أن بات السؤال المطروح في الدوائر الغربية يتناول ما إذا كانت واشنطن تريد تغيير النظام في سوريا أم تغيير سياسة النظام فحسب. وفي استطراد ذلك جرى التوقف عند البدائل المحتملة.

لا شك في أن أسئلة من هذا النوع تشق الإدارة الأميركية بين راديكاليين يرفعون لواء "النموذج العراقي" (إسقاط النظام بالقوة) وأقل راديكالية يرفعون لواء »النموذج الليبي" (إسقاط سياسة النظام).

ولكن ما يجدر قوله في هذا المجال أن أصحاب الرأي الثاني لا يستبعدون القيام بضربات عسكرية موضعية خاصة عند الحدود مع العراق، ويعتبرون ان الضغط لتغيير السياسة واجب حتى لو أدى ذلك إلى إلحاق ضرر فادح او قاتل بالنظام.

تواكب هذا النقاش الأميركي الداخلي (فرنسا وبريطانيا شريكتان فيه بشكل من الأشكال) مع سجال إسرائيلي يبحث عن المصلحة الاستراتيجية في التطورات التي تطال "الجبهة الشمالية" (الجبهة الغربية محمية بالسلام مع مصر والجبهة الشرقية بالسلام مع الأردن واحتلال العراق).برزت مدرستان في إسرائيل تخترقان المؤسسة الحاكمة بأحزابها وسياسييها وعسكرييها ورجال استخباراتها.

تقول المدرسة الأولى أن الخيار الأفضل لإسرائيل هو إبقاء النظام السوري ضعيفا وتحت ضغط متواصل. ويعني ذلك منعه من ان يشكل أي خطر بنفسه، ومن استمرار دعمه للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، واضطراره إلى اتخاذ مسافة عن إيران.

وتعتبر هذه المدرسة ان موقفها ليس محكوما بأي مودة حيال النظام الحالي وإنما بخوفها من فوضى ما بعده او من حلول قوى أكثر راديكالية محله. والملاحظ هنا أن إسرائيل لا تقصر عداءها على »الأصوليين السوريين« وإنما على أطياف أخرى في المعارضة تعتبرها »متطرفة ايديولوجيا".

أما المدرسة الثانية فتميل إلى المصلحة الداخلية في التخلص من النظام كائنا ما كان البديل الذي يملأ الفراغ، الفوضى مستحبة وكذلك اندلاع مواجهات داخلية. ففي هذه الحال تخسر إيران حليفا.

وكذلك الراديكاليتان اللبنانية والفلسطينية خاصة إذا انتقلت الفوضى إلى فلسطين ولبنان. ويرى أصحاب الرأي هذا ان لا خوف من بديل جذري لأن التفوق العسكري الإسرائيلي كاسح وهو أكثر ما يكون فعالية ضد عدو كلاسيكي.

لا شك ان شارون هو بيضة القبان في هذا النقاش الداخلي واتجاهات حسمه والواضح من سلوكه، مدعوما بشمعون بيريز، ان القرار هو إبقاء إسرائيل متراجعة خطوة أو أكثر عن الولايات المتحدة.

فشارون يعتبر في العمق ان من نتائج السياسة الأميركية في المشرق العربي من العراق إلى لبنان مرورا بسوريا، تمكين الحركة الصهيونية من تحقيق اندفاعتها التوسعية في الضفة الغربية بعد إعادة الانتشار في قطاع غزة.

ليس غريبا،في هذا السياق، أن تعبر "هآرتس" عن الاتجاه المركزي في إسرائيل بترحيبها بما يجري في سوريا ولبنان ودعوتها إلى عدم التدخل الفظ لإدخال عناصر تعقيد على الوضع.إلا أن المفارقة في ما تقدم هو أننا نشهد انقضاء الزمن الذي كان فيه ما يريح إسرائيل يسبب قلقا لبعض العرب واللبنانيين.

كاتب لبناني