في أوج الانتفاضة اعتمد الإسرائيليون سياسة توجيه الضربات في الضفة بعد كل عملية ناجحة يتعرضون لها في غزة. لأن غزة لم تكن خاضعة بالكامل للاحتلال والآن عكس الإسرائيليون المعادلة وصاروا يردون على العمليات المنطلقة من الضفة بتوجيه ضرباتهم إلى غزة "المحررة" انها سياسة العجز لكنها سياسة معتمدة إسرائيليا سياسيا وعسكريا.
فالتصعيد العسكري الإسرائيلي لم يتوقف مطلقا منذ بداية التهدئة.وقد استهلك الحفاظ على التهدئة كل وقت الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حواراته مع الفصائل ووصل الأمر إلى درجة الاشتباك مع حماس.
لكن في المقابل ان السياسة الإسرائيلية ظلت على ما هي عليه، ما أدى إلى تنفيذ الجناح العسكري للجهاد الإسلامي عملية في نتانيا حملت المسؤولية لفرع من الجهاد في شمال الضفة قيل انه يتصرف وحده واتهم بالارتباط بحزب الله وإيران.
وتعرضت حركة الجهاد لحملة اعتقالات واسعة طالت 300 من عناصرها في الضفة عدا عمليات الاغتيال لعناصرها النشيطين كان آخرها اغتيال لؤي السعدي الذي يعتبر القائد العسكري لسرايا القدس في الضفة.
وهو الذي يقف وراء عمليات كثيرة ضد الإسرائيليين فجاءت عملية الخضيرة الأخيرة كانتقام فوري له. ولعل اللافت للنظر ان عناصر الجهاد يعملون سويا مع عناصر كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح في شمال الضفة.
وقد بدأ هذا التنسيق إبان الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة وخاصة في معركة مخيم جنين وتواصل لاحقاً، حيث يسقط في أية عملية اغتيال عناصر من سرايا القدس وكتائب الأقصى. ولعل اتهام خلايا الجهاد في شمال الضفة بإقامة علاقات مع حزب الله .
وإيران تعزز مؤخرا بعد تصريحات الرئيس الإيراني حول شطب إسرائيل عن الخارطة وتزامنت التصريحات مع إعلان نشرته الصحف الفلسطينية يدعو لإحياء يوم القدس العالمي الذي دعا إليه الإمام الخميني والإعلان موقع من المنظمات الأهلية اللبنانية.
وهذا يعني ان ثمة اهتماماً إيرانياً غير مسبوق بالساحة الفلسطينية عبر الساحة اللبنانية. فالساحة الفلسطينية عمليا تعاني من حالة فوضى وارتباك سياسي دون أفق لأي حل.
وحركة حماس في غزة ما زالت متحفزة والسلطة الفلسطينية تعيش حالة من التهميش العربي والدولي إذ إن الجولة الأخيرة للرئيس ابو مازن لم تأت بأية نتائج، بل عاد ليصحح تصريح بوش حول انه لا يرى إمكانية لتجسيد رؤيته بإقامة دولة فلسطينية في فترة ولايته.
ولم يصحح الأميركيون تصريح بوش لكن أبو مازن البراغماتي تطوع لذلك حتى لا يعتبر ذلك فشلا له لزيارته. عمليا الساحة الفلسطينية مهيأة لاستقطابات داخلية وخارجية إذ ان حركة فتح تعيش هي الأخرى حالة من الفوضى تحت حمى الانتخابات التشريعية وتصادم الأجيال وأصحاب المصالح.
والوضع الأمني لم يتحسن، فوزير الداخلية اللواء نصر يوسف لا يخفي امتعاضه من قلة الإمكانيات ويقول صراحة انه اضطر إلى تسليح قواته بهراوات أثناء عملية الانسحاب الإسرائيلي .
وابلغ المبعوث الأميركي الجنرال وورد انه يستطيع ان يفتش أسلحة قواته فلن يجد ذخيرة أكثر من 60 طلقة مع أي جندي مسلح، بينما استعرضت حماس قواتها وهي مسلحة بأربعمئة قاذف "آر بي جي" غير الصواريخ والأسلحة الخفيفة الحديثة والمتفجرات.
ويؤكد اللواء نصر يوسف انه منذ توليه الوزارة لم يتلق سوى خمسة ملايين دولار صرف منها على الهراوات واستئجار سيارات نقل لتجميد عملها حتى لا تستأجرها حماس لنقل أنصارها إلى احتفالاتها، بينما بقي جنوده في العراء حيث لا يجد مقرات لهم بعد تدميرها منذ سنوات ولم يقم أي وزير بعده ببناء مقرات.
في هذا المشهد يمكن لإيران ان تطل من بعيد، فالسلطة تعاني عجزا ماليا، ووزير ماليتها الدكتور سلام فياض تمكن بالكاد من توفير رواتب شهر نوفمبر كقروض من البنوك لصرفها قبل العيد، لأن الالتزامات العربية والدولية لم تسدد إلا بنسبة خمسة عشر في المئة حتى الآن.
لهذا كله فإن إيران التي تبدو متمسكة بمشروعها النووي تستعد منذ الآن لتوسيع نفوذها في المنطقة استعدادا لمواجهة المستجدات لاحقا حيث يصبح الدور الإيراني في فلسطين ضرورة استراتيجية لطهران.
فعلى الساحة اللبنانية يبدو حليفها وهو حزب الله في عين الإعصار لنزع سلاحه وتبدو سوريا بعد تقرير ميليس مطالبة بتقديم رئيسها للاستجواب، فما يحدث عمليا هو عملية إنهاك لسوريا حتى إنهاء النظام.
ولكن لإيران حسابات أخرى، حيث لها موطئ قدم قوي في العراق تستطيع الحركة منه وهي ستحاول تصليب حلفائها في لبنان وفتح امتدادات لهم نحو الأراضي الفلسطينية. ففي ظل التجاهل العربي للشعب الفلسطيني واحتياجاته وتهميش سلطته وإفقارها وفتح خطوط التطبيع مع إسرائيل. فان لإيران فرصة كبيرة لكي تقول كلمتها حتى في فلسطين.
رئيس تحرير "الحياة الجديدة" ـ فلسطين