فشلت اللجنة المكونة من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في الوصول إلى اتفاق حول إدارة العاصمة القومية، ومن ثم رفعت الأمر في الأسبوع الماضي إلى رئاسة الجمهورية لتقضى فيه بما ترى.
النص الذي ورد في اتفاقية السلام عن إدارة العاصمة القومية غامض وحمّال أوجه، وكأنما عجز طرفا التفاوض في نيفاشا عن إيجاد حل مرضٍ لكليهما فلجآ إلى صياغة عامة يفسرها كل بما يشتهى.
يقول النص: تكون إدارة العاصمة القومية في الفترة الانتقالية على أساس التمثيل، ويُمثل طرفا الاتفاقية تمثيلا وافيا في إدارتها.
فسر مندوبو الحركة الشعبية في اللجنة المشتركة أن التمثيل الوافي للطرفين يعنى المناصفة في المجلس التشريعي للولاية ومجلس وزراء الولاية.
ولا يخلو هذا التفسير من مغالاة (ربما لزوم المساومة) فقد قبلت الحركة في إدارة كل من ولايتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، التي حارب عدد من أبنائهما إلى جانب الحركة لمدة عشرين عاما وسيطرت الحركة على جزء من الولايتين حتى عقد اتفاقية السلام الشامل في يناير الماضي.
قبلت أن يكون نصيبها 45% من إدارة الولايتين و55% للمؤتمر الوطني فكيف لها أن تطلب نسبة أكبر في العاصمة القومية التي لم تحارب فيها، كما أن معظم الجنوبيين الذين يقطنون العاصمة جاءوا إليها نازحين من آثار الحرب في الجنوب وجبال النوبة وسيعود معظمهم إلى مناطقهم الأصلية في وقت قريب.
ومندوبو الحكومة من جانبهم لم يقصروا في اتخاذ موقف متطرف من الناحية الأخرى، فقد قالوا ان الأصل هو أن العاصمة ولاية شمالية يسري في تكوين إدارتها ما يسري على الولايات الشمالية حسب الاتفاقية.
أى أن يكون نصيب المؤتمر الوطني 70% من مجلسها التشريعي ومن مجلس وزرائها ونصيب الحركة الشعبية 10% والقوى السياسية الأخرى 20%، أما الحديث عن التمثيل الوافي لطرفي الاتفاقية في إدارتها فيقصد به أجهزة الخدمة المدنية التابعة للولاية.
وليس الأجهزة السياسية التي قد حسم أمرها! وكلمة "إدارة" بالعربية يمكن أن تعني جهاز الخدمة المدنية ولكن كلمة ((Administration المستعملة في النص الانجليزي للاتفاقية تعني الاثنين معا الإدارة السياسية وإدارة الخدمة المدنية، والنص الانجليزي هو المعتمد عند الاختلاف.
ولكن يضعف من حجة الحركة في زيادة تمثيلها أن هناك نصوصاً أخرى واضحة في الاتفاقية تحمي حقوق غير المسلمين مثل عدم تطبيق العقوبات الدينية عليهم، وإنشاء نيابات ومحاكم متخصصة لهم.
بالإضافة إلى تكوين لجنة خاصة تابعة لرئاسة الجمهورية مهمتها التأكد من أن حقوق غير المسلمين محمية حسب الأسس المنصوص عليها في الاتفاقية، مع العلم أن المسلمين في جنوب السودان لا يتمتعون بإجراءات مماثلة تحمي حقوقهم.
وقد اتضح أنهم يحتاجون إلى قدر من الحماية فقد خلت حكومة الجنوب التي كونتها الحركة حتى من وزير واحد (من بين 22 وزيرا) يمثل الأقلية المسلمة التي تقدر بحوالي 15% من أهل الجنوب.
لقد انتقلت الإنقاذ من سياستها الأولى لأسلمة الجنوب إلى التخلي تماما عن المسلمين في الجنوب، ولكن للكعبة رب يحميها! وهذه النصوص الأخرى تغنى الحركة من تمثيل سياسي قوى في حكومة العاصمة القومية.
تقول ملاحق اتفاقية السلام بأن إدارة العاصمة القومية تحددها رئاسة الجمهورية ( البشير + سلفا كير + علي عثمان) بالتشاور مع والي الخرطوم.ومن المتوقع أن يقف عبد الحليم المتعافي مع ممارسة حقه كاملا في اختيار وزرائه حتى ينفذ برنامجه الخدمي الطموح الذي بدأه .
والذي غير شكل العاصمة القومية مما شفع له بالعودة مجددا لرئاسة الولاية رغم كيد بعض أصحابه الأقربين ضده في المؤتمر الوطني! وبالمناسبة فان المتعافي هو ثانى شخصية من أهل الدويم تحكم العاصمة منذ محافظها الشهير أحمد مكي عبدُة في منتصف الخمسينات.
وقد يخشى المتعافى من أن تدفع له الحركة بحزمة من قدامى الشيوعيين الشماليين الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب! وقد يطمئنه لو أعطى قدرا من الاختيار في ممثلي الحركة بحكومته.
وربما يقف الرئيس مؤيدا لواليه الذي لا يخفي إعجابه بسياسته الخدمية وقد سبق أن ناصره في مشكلة التأمين الصحي المشهورة رغم الفتوى المهزوزة التي أدلى بها وزير العدل انتصارا لقانون التأمين الصحي الذي قفز من وزارة الرعاية الاجتماعية إلى المجلس الوطني دون أن يمر بمجلس الوزراء.
وبالطبع سيقف النائب الأول مع حق الحركة في تمثيل سياسي وافٍ لها في إدارة العاصمة ولا أحسبه يطالب بالمناصفة التي قال بها ممثلوه في اللجنة المشتركة، وغالبا ما يقف علي عثمان مع تفسير سلفا كير أن المقصود هو التمثيل السياسي في إدارة العاصمة ولكن بتعبير مرن يحتمل التحرك يمينا أو شمالا!
وشأن كل تسوية فلن يجد المتعافى كل ما يريد ولن يجد الفريق سلفا كير كل ما يتطلع إليه معاونوه، وستكون قسمة الحركة في إدارة العاصمة أكثر من الـ 10% التي تجدها في بقية الولايات الشمالية .
وأقل من ال 45% التي أعطيت لها في ولايتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وربما كانت نسبة الـ 25% للحركة هي المعادلة المناسبة لها في حكومة العاصمة لأن الخرطوم (كرش الفيل) تعج بقوميات أخرى من دارفور وكردفان .
وشرق السودان تتطلع أيضا إلى قدر من التمثيل في إدارة العاصمة القومية إلى أن يمن الله علينا بالانتخابات الحرة بعد ثلاث سنوات فنرتاح من هذه المعادلات العرقية الاقليمية المتخلفة!
كاتب سوداني