قرار سوريا بتشكيل لجنة قضائية خاصة تتولى التحقيق في ملف اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، استدراك من الضروري تفعيله بسرعة.

ولو أنه جاء بعد أوانه بكثير. بل هو يكاد يفقد أهميته، لكونه حصل في هذه المرحلة المتأخرة من القضية، ما لم يصر إلى وضعه موضع التنفيذ، بصورة مهنية ومنهجية تكفل تحقيق الغرض المنشود وتأدية المهمة الموكولة لهذه اللجنة، على الوجه الأكمل.

علّها بذلك تكون هذه المبادرة مدخلاً إلى صيغة تؤدي إلى تنفيس التصعيد وتوفير فسحة للعمل القضائي كي يأخذ مجراه، قبل أن تصل الأمور، عبر السياسة ومجلس الأمن، إلى المزيد من التأزيم، حتى لا نقول إلى نقطة اللاعودة، بين سوريا والمجتمع الدولي.

اللجنة حسب قرار تشكيلها ـ والمؤلفة من ثلاثة قضاة سوريين كبار ـ مطلوب منها مباشرة التحقيق بالتعاون مع اللجنة الدولية برئاسة ميليس؛ وكذلك مع السلطات القضائية اللبنانية، "في كل ما يتصل بهذه المهمة".

وأعطيت لها صلاحيات الاستعانة بمن تراه من قضاة مدنيين وعسكريين. وتأتي هذه الخطوة السورية، قبل يومين من اجتماع لمجلس الأمن الدولي مستوى وزراء الخارجية للدول الأعضاء فيه؛ مقرر للنظر في هذا الملف على خلفية ما ورد في تقرير المحقق الدولي الأخير، من إشارات لأسماء سورية، مدنية وعسكرية، مشتبه في تورطها بعملية الاغتيال.

ومن هنا فإن الإقدام على اتخاذ هذا التدبير من جانب دمشق يأتي من باب الاستباق لما قد يصدر عن المجلس من قرارات تؤدي إلى المزيد من التصعيد والضغوط ضدها. لكن لا ضير في ذلك.

فهو تحرك مشروع لإحباط أذى محتمل. بالإضافة إلى ذلك فإن تأليف لجنة تحقيق من هذا النوع يستجيب أصلاً لواحد من مطالب المحقق الدولي ميليس، الذي سبق له أن حثّ سوريا على فتح مثل هذا التحقيق سوريا عازمة على ذلك حسب تأكيداتها، ومن أعلى المستويات.

الرئيس الأسد نفسه تعهد، مؤخراً في مقابلته الشهيرة مع قناة تلفزيون "سي. إن. إن" الأميركية، بمحاكمة أي سوري يثبت جرمه بل اعتبره بمنزلة "الخائن". وعليه صار من المجدي بل من اللازم أن تعطى الفرصة لهذا التطور كي يأخذ مجراه.

خاصة وأنه، أي التحقيق السوري المزمع إطلاقه، سيجري بالتعاون مع نظيره الدولي؛ بالإضافة إلى القضاء اللبناني. وبمثل هذا الترتيب يصبح التحقيق العام محكوماً بوحدة المسرى على قاعدة التنسيق والتكامل. ولتكن النتائج ما تكون.

لقد صار من الواضح أن الأزمة غير قابلة للحلحلة ما لم يتم الوصول إلى الحقيقة التي ينتهي إليها التحقيق والتي تحظى بقبول وموافقة الجميع أو بالأحرى الحقيقة التي لا يتحفظ عليها أحد، متى اكتملت عناصرها بالحد الذي يفرض نفسه بنفسه. ما عدا ذلك فلا بديل إلا ارتفاع سرعة رياح العاصفة، بوجه سوريا واستطراداً بوجه لبنان.