يبدو ان المقصود بالاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة على مدن الضفة والقطاع ابعد بكثير من مجرد الرد على عمليات العنف الفلسطينية المتمثلة في اطلاق قذائف الهاون والقسام وحادثة التفجير في الخضيرة: إذ إن هناك ما يشبه الاستراتيجية الثابتة لانتهاج سياسة القوة المتصاعدة ضد ابناء الشعب الفلسطيني بهدف التخويف والتركيع ومحاولة الاثبات للفلسطينيين بأن قرار السلام أو الحرب هو قرار اسرائيلي احادي الجانب، كما حدث في اخلاء قطاع غزة.
وإذا ثبت وجود مثل هذه الاستراتيجية التي تبدو مؤشراتها ظاهرة في تصريحات المسؤولين الاسرائيليين، وعلى رأسهم ارئيل شارون رئيس الوزراء ووزيرا خارجيته ودفاعه سيلفان شالوم وشاؤول موفاز على التوالي - تلك التصريحات التي بدأت قبل اسابيع من اخلاء القطاع، وما تزال متواصلة بوتيرة متصاعدة حتى يومنا هذا.
إذا ثبت وجود استراتيجية كهذه،فإنها دليل اخر على ان الحكومة الاسرائيلية لا تريد الاستفادة من عبر عدة عقود من الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي فشلت خلالها سياسة القوة ومحاولة تحطيم ارادة الشعب الفلسطيني، أو تحويل مسار نضالاته لتحقيق اهدافه الوطنية الثابتة والمشروعة.
وهذا التوجه الاسرائيلي المفترض يعطي مؤشرا واضحا للأسرة الدولية على الاستهانة بارادتها ومرجعياتها الشرعية وقرارات ومبادرات مختلف القوى والكتل العالمية «ومعظمها مناصر ومؤيد لاسرائيل اكثر من مناصرته وتأييده للفلسطينيين» وعلى تصميم الحكومة الاسرائيلية التي تنتهجها حكومة شارون هي طريق الاحتلال والاستيطان، والهيمنة على موارد ومقدرات الشعب الفلسطيني، ومحاصرته داخل مدنه وقراه ومخيماته من جهة وفي نطاق وطنه من خلال جدار الفصل العنصري والتواجد الفعال على المعابر الفلسطينية الداخلية والخارجية من الجهة الاخرى.
وليس أدل على هذا التوجه المتناقض مع العملية السلمية، من تأكيد شارون وموفاز وشالوم على ان استئناف عملية السلام يخضع لشروط تعجيزية ليس اقلها اشعال حرب اهلية بين الفلسطينيين وبذر بذور الاقتتال بين السلطة الفلسطينية والحركات المعارضة خصوصا الاسلامية.
وحتى مع الإعلان عن هذه الشروط المستحيلة المرفوضة فلسطينيا وعربيا ودوليا، فإن الحكومة الاسرائيلية لا تتوقع مطلقا إحياء العملية السلمية في المستقبل المنظور، ولا تحدد اي موعد لا بالشهور ولا بالسنوات لاستئناف مسيرة السلام.
وقد جاء تصريح وزير الدفاع الاسرائيلي موفاز بالامس الذي استبعد فيه اي إمكانية لتحقيق السلام مع الجيل الحالي من الفلسطينيين، وألمح الى نية المسؤولين الاسرائيليين الاكتفاء باتفاقات مرحلية الى ما شاء الله - جاء ليؤكد توجه الحكومة الاسرائيلية والكتل الحزبية المحالفة داخلها نحو تجميد الاحتلال والاستيطان واستغلال عامل الزمن لتثبيت الحقائق الاحتلالية والاستيطانية على نحو يستحيل معه بقاء ما يمكن التفاوض عليه او بشأنه مع الفلسطينيين والاسرة الدولية عامة.