بالغ العرب في صمتهم المعلن.. وضجيجهم الداخلي المكبوت,‏‏‏ ووأد ردّات فعل الشارع العربي عندهم, حتى الإعلام الرسمي وغير الرسمي أصابته الغيبوبة إن لم نقل السكتة القلبية عمّا يجري لسورية وحولها وللبنان وشعبه..‏‏

وعندما خرجت إحدى الصحف العربية الرصينة عن صمتها صرخت بالاتجاه المعاكس مع أنها تشكل هرماً في الإعلام العربي المكتوب.‏‏‏‏‏

لا وقت للعتب.. فالمنطقة العربية برمتها لا بل النظام العربي كله مهدّد بحاضره ومستقبله, بثوابته الوطنية وثقافته العربية.. بمفاهيمه لنفسه وللآخرين فضلاً عن دوره في حماية الأجيال وتأمين الاستقرار لمستقبلها, وتوفير أبسط قواعد الحقوق في العيش الكريم على الأرض العربية.. أرض الديانات والرسل والأنبياء..‏‏‏‏‏

والممر الذي سيعبُر منه وبه المخطط المرسوم لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد وبالفوضى الخلاقة هو تقرير ميليس الذي أثبتت الدراسات القانونية العربية والأجنبية أنه تقرير سياسي من شأنه أن يفرش الطريق لعبور قوى الشر والاستعمار إلى المنطقة, بهدف بسط الهيمنة والسيطرةعليها, وتقديم الشروط الواجب توفرها كي تبسط إسرائيل بدورها سيطرتها العسكرية والسياسية والثقافية على المنطقة عموماً وعلى العرب على وجه الخصوص.‏‏‏‏‏

لسنا وحدنا المستهدفين, صحيح أننا في المقدمة لأن الممانعة التي نمارسها ممانعة قومية, وقد اختيرت سورية لموقعها.. ولدورها, ولتجربتها الواسعة في مقاومة الاستهداف, ولأن سقوطها وتحجيم دورها يبسّط الإجراءات المزمع اتخاذها ضد العرب الآخرين... ولا نريد استعراض الدول والمواقع والمواقف للتدليل على ذلك فهذا نتركه للشعب العربي الواسع.‏‏‏‏‏

المستهدفون هم العرب جميعاً, لا يُستثنى منهم أحد وعبرهم لكل من ينادي ب (لا إله إلاّ الله) لأن الأمتين العربية والإسلامية بعدد سكانهما ومساحتهما الجغرافية والحضارية لم ترضخا كلّياً للمشروع الصهيوني.. ولم تستسلما كما ينبغي الاستسلام, فيما تشكل سورية نقطة الارتكاز ونقطة المحرَقْ الذي يشعُّ بالضوء والحرارة في الجسدين العربي والإسلامي معاً, ومعهما قوى التحرر في العالم كلّه.‏‏‏‏‏

هل نُبالغ...? لنفترض ذلك, ولنا أن نسأل: ترى لماذا إذاً هذا التركيز الأميركي والإسرائيلي الواسع وهذا الاستهداف المنظم والمبرمج واليومي وعبر مختلف الأساليب لو لم تكن سورية كذلك..? ألم يقل الرئيس الأميركي يوماً وفي كل يوم يقول.. ويردد: إن النظام في سورية خارج السياق في المنطقة..? فعن أي سياق يتحدث الرئيس بوش, وما هذا السياق الذي تريده أميركا? وهل هو السياق السائد الآن أم السياق المطلوب ترتيبه بالفوضى الخلاّقة.?.‏‏‏‏‏

فالسياق الراهن كما نراه ويراه العالم معنا احتلال للعراق, استسلام عربي في مكان, وتخاذل في مكان آخر, وتآمر في مكان ثالث ووصاية دولية في رابع, وهيمنة مطلقة على القرار الوطني في أمكنة, ولا نريد أن نسمّي الأسماء بمسمياتها فلا ينقصنا (ظلم أهل القربى) فما بنا يكفينا, لهذا نحن خارج السياق الذي تريده أميركا بقرار صهيوني يعبث بمقدرات الشعب الأميركي الصديق, وسنظل خارج السياق.. وسيظل بوش يقول ويردد!.‏‏‏‏‏

أما السياق المراد تسويقه للمنطقة عبر تقريري ميليس ولارسن فهو سياق يفضي إلى تجريد المقاومة الوطنية من سلاحها ومن ثم من قرارها, وتوطين اللاجئين الفلسطينيين حيث ينصبون الخيام في الأقطار المجاورة لفلسطين, وفرض الاستسلام التام على العرب, وإخضاعهم لمشيئة إسرائيل ومخططاتها التوسعية..‏‏‏‏‏

ومع ذلك.. وفوق ذلك فقد بالغ العرب في صمتهم.. ولم يستفز الرسمي منهم تقرير ميليس ولا قراءاته العربية أو الغربية التي أشارت إلى خطورة المضامين والأهداف والنوايا المبيتة بين سطور التقرير وتقلباته واستطالاته التي لم تطل الجاني الحقيقي والمستفيد الأكبر مما حصل منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحتى اليوم..!‏‏‏‏‏

لعل التحرك المصري وزيارة الرئيس محمد حسني مبارك إلى دمشق والمحادثات التي أجراها مع السيد الرئيس بشار الأسد, وصرخة سيد المقاومة في يوم القدس.. تشكل البداية لتحرك عربي واسع ومطلوب لوقف التداعيات الخطيرة الراهنة سواء لجهة الاستهدافات الأميركية من داخل تقرير ميليس أو من خارجه, أم لجهة انهيار العلاقة المتميزة التي تربط بين سورية ولبنان وشعبيهما.‏‏‏‏‏

وهذه ليست مسؤولية النظام العربي الرسمي فحسب أو هكذا نفترض, وإنما مسؤولية المجتمع العربي بفعالياته وهيئاته وقواه المجتمعية وبالأخص قوى الشعبين اللبناني والسوري التي يجب أن تبادر إلى حماية اللحمة الشعبية وتحصينها وتقويتها ودعمها في وجه المحاولات التي يمارسها بعض السياسيين اللبنانيين والإعلاميين المشبوهين على خلفية تقرير ميليس واستغلالاً لدم الرئيس الحريري..‏‏‏‏‏

من قلب هذه المحنة التي نتعرض لها هل يمكن أن يبدأ التغيير وأن يتبدد الصمت ويتظهّر دور الجامعة العربية التي لا تزال قادرة على لعب دور أساسي ينتظرها عربياً, فهي على الرغم مما قيل فيها وسيقال ستظل حصن العرب وبيتهم الكبير, وإن العرب في القرن الجديد هم أحوج إليها اليوم أكثر من أي وقت..‏‏‏‏‏

فالقرن العربي الجديد لم يبدأ مع الألفية الثالثة كما عند الآخرين وإنما عند منعطف تقرير ميليس.. وبعده..‏‏‏‏‏