تبدو هناك مؤشرات عديدة حول العودة الى حرب باردة جديدة في العالم تشهد نهاية "لحظة الاحادية الاميركية" بعد اكثر من عقد ونيف من الزمن من نهاية الحرب الباردة بالسقوط المزدوج للاتحاد السوفييتي ولحائط برلين.
حرب باردة جديدة بين واشنطن وبكين هذه المرة، بكين التي سيصل فائضها التجاري هذا العام الى مئة مليار دولار والتي تشكل اكبر جاذب للاستثمار الخارجي المباشر وتتحول الى القوة العظمى الاقتصادية رغم انها تواجه تحديا صعبا .
ولكنه غير مستحيل قوامه احداث توافق بين الحفاظ على الاداء الاقتصادي الناجح من جهة وتحقيق العدالة الاجتماعية من جهة اخرى لاحتواء التوترات المتزايدة والمتعاظمة في الجسم الاجتماعي الصيني. الصين توفر نموذجا منافسا للنموذج الاميركي وجذابا لنجاحه خاصة للعديد من الدول النامية.
قوام هذا النموذج كما يقول يوان بنج احد الباحثين الكبار في الصين معادلة تتكون عناصرها من المركزية مع اقتصاد السوق مع الدبلوماسية المرنة. انها سياسة البناء، بناء القدرات الذاتية من خلال التحديث وخلق القدرة التنافسية العالمية التي بدورها تعزز الامكانات والقدرات المختلفة للصين مع تلافي سياسات الصدام والتوتر مع القوى الكبرى والاقليمية.
الحرب الباردة الجديدة سيكون مسرحها المركز هذه المرة في المحيط الهادي وشرق اسيا بعد ان يكون "قلب النظام العالمي قد انتقل من اوروبا والاطلسي الى تلك المنطقة الصاعدة بقواها. حرب باردة يغيب عنها هذه المرة الاستقطاب الايديولوجي الحاد ويحكمها التنافس السياسي والاقتصادي والسباق على السيطرة على مصادر الطاقة.
زيارة كونزاليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية الى اسيا الوسطى في منتصف هذا الشهر رغم التطمينات التي اطلقتها الوزيرة حول ان هذه الزيارة غير موجهة ضد احد دلت على محاولة واشنطن تدعيم وجودها وتعزيزه في تلك المنطقة الاستراتيجية المهمة.
الصين الشعبية تحكمها عقدة السور الكبير »الدفاعية« وتشعر ان هنالك محاولات احتواء اميركية لنفوذها. قوام سياسة الاحتواء الاميركية الوجود العسكري البحري الاميركي القوي جدا في المحيط الهادي من جهة واقامة قواعد اميركية ومناطق نفوذ لواشنطن في اسيا الوسطى من جهة اخرى.
يدفع ذلك كله الى تعاون صيني روسي وثيق في اسيا الوسطى لاحتواء تداعيات سقوط الاتحاد السوفييتي والفراغ والارتباك الذي حصل وكذلك الحرب الاميركية في افغانستان ضد الطالبان وهي العناصر التي ساهمت في بناء قواعد اميركية في بعض دول المنطقة.
تقوم هذه السياسة على محاولة الاستفادة من الخلافات الناشئة بين واشنطن وبين دول هذه المنطقة وتخوف نظم هذه الدول من الضغوطات الاميركية للانفتاح على الغرب سياسيا واقتصاديا مما قد يضعفها من خلال خلق قوى اجتماعية جديدة.
او تعزيز اخرى معارضة، الاستفادة من هذه الخلافات لتشجيع هذه الدول على تخفيف الوجود العسكري الاميركي او انهائه باعتبار انه لم يعد ضروريا بعد انتهاء حرب افغانستان.
كما تحاول الصين الشعبية بواسطة سياسة الجزرة الاقتصادية او تحديدا العقود الاقتصادية الكبيرة خاصة في حقل الطاقة احتواء النفوذ الاميركي في بعض الدول ايضا ومد جسور نفوذها الى تلك الدول مثل ما حصل مع اوزبكستان.
الجغرافيا الاستراتيجية جزء من هذه الحرب الباردة كما ان الجغرافيا الاقتصادية، جغرافيا الطاقة، تمثل الجزء الاخر والشديد الاهمية الحيوية بالنسبة للصين الشعبية التي يزداد اعتمادها على استيراد الطاقة النفطية مع ازدياد حجم الآلة الاقتصادية الانتاجية الصينية ولذلك فالصين الشعبية بحاجة "للتحرر" من الوجود الاميركي في اسيا الوسطى الضاغط .
والمهدد لحصول الصين على مصادر الطاقة الكبيرة جدا في هذه المنطقة وفي ايران الذي يمثل التقارب معها احدى العناصر الاساسية في استراتيجية التنافس الصينية مع الولايات المتحدة.
ولا يخفف من حدة التنافس المتزايد بين القطبين الدوليين نصائح وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد للصين بالانفتاح السياسي على العالم لطمأنته بل ان تصريحات من هذا النوع تزيد من شكوك الصين تجاه ما تعتبره تدخلا اميركيا سافرا في شؤونها.
من عناصر المواجهة المتزايدة ايضا، السياسة الصينية الناشطة لتحديث القوات المسلحة الصينية بغية زيادة قدراتها الردعية في المسألة التايوانية التي هي اهم المسائل الوطنية والامنية للصين ولتأمين خطوط امدادات الصين بالطاقة. من مظاهر هذا التحديث الزيادة الكبيرة في الاستثمار في مجال التكنولوجيا العسكرية المتطورة والازدياد المستمر في الانفاق على المؤسسة العسكرية.
كما تنشط الصين الشعبية بواسطة الدبلوماسية الاقتصادية وبالاخص دبلوماسية المساعدات على اقامة اطر تعاون اقليمية متعددة الاشكال في شرق اسيا تضم مختلف قوى المنطقة من اجل تعزيز اوراقها الدبلوماسية في مواجهة واشنطن واحتواء تمدد هذه الاخيرة.
من ابرز الدلائل على هذا الصراع والتنافس بين واشنطن وبكين تأييد الاولى لحصول اليابان على العضوية الدائمة لمجلس الامن في اطار اصلاح وتوسيع هذا الاخير والحماس الاميركي الكبير لهذا الامر مقابل معارضة الصين الشديدة لدخول اليابان وتكريسها كقوة دولية اساسية في العالم عبر بوابة مجلس الامن ونادي الكبار فيه.
وتبقى المسألة التايوانية صاعق التفجير الاساسي في الحرب البادرة الناشئة وتبقى ادارة او سوء ادارة الملف النووي الكوري احدى مصادر التوتر او التعاون المحتمل في العلاقات بين الطرفين الى جانب بالطبع مدى استعداد واشنطن في سياساتها الاحادية على القبول بالصين شريكا يتزايد دوره في قضايا ومسائل الامن والسلم في المحيط الهادي .
وشرف اسيا واخيرا مدى قدرة بكين على صياغة علاقات استراتيجية مستقرة مع اقطاب دولية اخرى لها مصلحة في احتواء الاحادية الاميركية او في التخفيف من ضغوطاتها مثل روسيا والاتحاد الاوروبي.
٭ كاتب لبناني