تبدو وسائل الإعلام الإسرائيلية في هذه المرحلة جدّ منشغلة بالشأن الداخلي السوري، السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي، مثلما هي منشغلة بمراقبة وتحليل السياسات الإقليمية والدولية (ولاسيما الاميركية) المتعلقة بسوريا؛ إلى درجة استدعت رئيس حكومة إسرائيل أريئيل شارون مطالبة المسؤولين الإسرائيليين بالسكوت، وعدم التطرق إلى الموضوع السوري!
بديهي أن الانشغال الإسرائيلي بسوريا ليس وليد اللحظة، بمعنى أنه ليس وليد التداعيات المتعلقة بتقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس، فقد شكلت سوريا بالنسبة لإسرائيل عامل قلق وجودي وسياسي لها، نظرا لوجود حدود مشتركة، واحتكاكات بينية مستمرة لاسيما في مسائل الأمن والمياه.
وفوق كل ما تقدم فإن سوريا، من المنظور الإسرائيلي، ليست مجرد دولة عادية، وإنما هي دولة تتبنى عقيدة قومية راديكالية، وتتطلع إلى دور إقليمي في المنطقة، وتحتضن منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتناهض مشاريع التسوية والتطبيع؛ الأمر الذي يثير إسرائيل.
ثم أن سوريا دولة تحظى بنوع من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتتمتع بقدرات اقتصادية وعسكرية، تتيح لها الصمود في أية مواجهة مع إسرائيل، لاسيما إذا توفرت ظروف عربية ودولية مناسبة(حرب اكتوبر 1973 وتجربة تحرير جنوب لبنان مثلا).
وبالمقابل فثمة حساب خاص لسوريا مع إسرائيل التي تحتل جزءا من أراضيها (الجولان) منذ عدوان يونيو 1967، هذا إضافة إلى احتضان سوريا لتجمع كبير من اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948.
وكانت إسرائيل دأبت، وبشكل مباشر وغير مباشر، على تحريض الإدارة الاميركية الحالية على استهداف سوريا، بهدف إضعافها وعزلها وتوجيه الضغوط السياسية والاقتصادية ضدها وربما ضربها، بدعم من حلفائها المتمثلين بتيار المحافظين الجدد في هذه الإدارة، مستغلة في ذلك حدث 11 سبتمبر (2001) .
والتداعيات الاميركية المتعلقة بالحرب ضد الإرهاب. وقد زادت إسرائيل من جرعة التحريض هذه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، داعية الولايات المتحدة إلى استكمال ما قامت به في بغداد بدمشق وهكذا؛ بما يعنيه ذلك من اختفاء مفهوم الجبهة الشرقية تماما.
وكما هو معلوم، فقد استغلت إسرائيل التخبط الأمريكي في العراق، وتدهور الأوضاع فيه، كي تزيد من حمأة التحريض على سوريا، باتهامها بأنها تساهم في تقويض الترتيبات الاميركية في العراق، وزعزعة الاستقرار فيه، من خلال دعم جماعات المقاومة العراقية، بشكل مباشر أو غير مباشر.
الجدير ذكره هنا أنه وبرغم من التحريضات الإسرائيلية ضد سوريا، فإن الولايات المتحدة لم تستجب لها تماما، كونها لم تكن على قناعة بأن سوريا تشكل تهديدا فعالا ومباشرا لسياساتها الشرق أوسطية، إلى الدرجة التي تدفع لوضعها ضمن دائرة الاستهداف الأمريكي.
وهذا ما يفسّر أن العلاقات السورية ـ الاميركية ظلت تتّسم بنوع من التوتّر المتماوج الذي لم يصل في أية مرحلة من المراحل إلى سياسة حافة الهاوية من الطرفين؛ على الرغم من أن السياسات الراديكالية السورية.
وخصوصا في المجال الخارجي، والتي كانت تتنسّم دورا سياسيا إقليميا، ربما يفوق إمكانات سوريا وحجمها، ظلت على الدوام مناوئة للسياسات الاميركية، ولاسيما ترتيباتها السياسية والأمنية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى العكس من ذلك فقد شهدت بعض المراحل نوعا من التوافق غير المباشر بين دمشق وواشنطن في عديد من الملفات الإقليمية، إلى حد أنه ثمة تيار من السياسيين الأمريكيين يرى في دمشق عاملا من عوامل التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط .
وإن من موقع المختلف؛ على خلفية التجربة السابقة إبان الحرب الأهلية في لبنان، وإبان حربي الخليج الأولى والثانية.على أية حال فقد كشفت وسائل الإعلام الاميركية والإسرائيلية الستار.
مؤخّرا، عن مداولات مشتركة تجري على أعلى المستويات بين إدارة الرئيس بوش وحكومة إسرائيل بشأن الموقف الواجب اتخاذه إزاء سوريا؛ كل لحسابه.اللافت في هذه التسريبات أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي.
معا أو كلا على حدة، لم يتوصلا بعد إلى موقف محدد إزاء طبيعة العمل الذي يمكن اتخاذه ضد سوريا، بحكم التعقيدات والتناقضات التي قد تنجم عن ذلك، محليا وإقليميا ودوليا.
واللافت أيضا في هذا الوضع أن إسرائيل تتصرف في هذا الموقف وكأنها دولة عظمى هي الأخرى (كما الولايات المتحدة!).وكأنه يحق لها ما لا يحق لغيرها، من أخذ القانون بيدها واعتبار ذاتها القاضي والشرطي في هذا العالم، من موقع تحالفها مع الولايات المتحدة، التي باتت تتصرف كدولة عظمى وحيدة يحق لها حق التقرير بشؤون العالم وتسييره بحسب مصالحها وأولوياتها!
وخلاصة الأمر هنا أنه ثمة واقع سياسي جديد نشأ من تقاطع المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة، حيث تسعى إسرائيل من محاولاتها التحريضية ضد سوريا إلى استعادة السيناريو العراقي، عبر توريط الولايات المتحدة كي تخلصها من التحدي الذي تمثله لها سوريا، مثلما خلصتها سابقا من النظام العراقي.
وتعتقد إسرائيل، في سياساتها التحريضية هذه، بأن التخلص من العقدة السورية، وهي عقدة مركزية في الشرق الأوسط، ربما يسهل عليها دفعة واحدة فرض املاءاتها على الفلسطينيين.
والتخلص من حزب الله (ما يسمح ربما بعقد معاهدة سلام مع لبنان)، إضافة إلى أن ذلك يمكن أن يسرع وأن يعمق من علاقات التطبيع بين إسرائيل وعديد من الدول العربية.
ومن متابعة السجال الإسرائيلي والأمريكي، بشأن سوريا، يمكن ملاحظة أنه ليس ثمة وجهة نظر محددة إزاء العمل من أجل إحداث تغييرات في سوريا، وثمة تخوف من تكرار تجربة العراق، أي من امكان انتقال الولايات المتحدة من شرك إلى شرك آخر، خصوصا أن ذلك يمكن أن ينعكس سلبا على الاستقرار في المنطقة وضمن ذلك على أمن إسرائيل واستقرارها.
لذلك فثمة وجهات نظر إسرائيلية تحذر من مغبة الإقدام على أية خطوة ضد سوريا، باعتبارها خطوة في المجهول أو خطوة غير حميدة العواقب، وربما تعود بنتائج خطيرة على المصالح الاميركية والإسرائيلية.
وفي السجال الإسرائيلي والأمريكي ثمة وجهة نظر أيضا تحسب سوريا في عداد الدول العلمانية التي تناهض تيارات الإسلام السياسي المتطرف، والتي تعمل بطريقة برغماتية، وحتى أنه ثمة وجهات نظر تدعو إلى أخذ مطالب سوريا بعين الاعتبار، بمعنى تحريك عملية السلام مع سوريا، بتمكينها من استعادة أراضيها في الجولان المحتل.
وتقديم تشجيعات اقتصادية لها، وكل ذلك وفق قاعدة الأخذ والعطاء. وتحذر بعض التحليلات من اثارة قلاقل في سوريا لأن ذلك ربما يؤدي إلى خلق قاعدة جديدة للقوى المتطرفة، لاسيما في ظل غياب بدائل مناسبة وممكنة.
ما يمكن أن يكرس التورط الأمريكي في الرمال المتحركة للشرق الأوسط بمجمله؛ وهو آخر ما تريده الولايات المتحدة بعد تورطها في العراق؛ وهو بالطبع ما تتحسّب له إسرائيل، بالرغم من القلق الذي تشكله لها السياسات السورية.
كاتب فلسطيني