مر على العالم العربي حين من الدهر كانت فيه فلسطين وقضيتها والمشاركة بشكل أو بآخر في الصراع العربي - الاسرائيلي، هي الشواغل الرئيسة التي تطغى على كل الشواغل الاخرى، حتى الداخلية منها.

ولم يكن يسمع في وسائل الاعلام العربية من المحيط الى الخليج سوى نداءات الشهامة والدعوات الى التحرير، وجمع الصفوف ووحدة الكلمة، امام الخطر الاسرائيلي المشترك، المدعوم من الاستعمار واعوان الاستعمار - وفقا للخطاب الاعلامي العربي في تلك الايام التي على سوئها، ومقارنة مع الاوضاع المأساوية الراهنة، فقد كانت، وبحق العصر الذهبي للعروبة، والمشاعر القومية الجارفة.

أما الآن، فان المواطن الفلسطيني، والعربي، يتطلع إلى خريطة الوطن العربي السياسية فيجد ثلاثا وعشرين دولة تقريبا لكن اهدافها وغاياتها متباعدة ومتناقضة ولكل دولة ما يشغلها ويستغرق اهتماماتها، بحيث تراجعت القضية الفلسطينية لتختفي كليا عن جدول الاهتمامات العربية الرسمية. وكأن لسان حال الانظمة العربية يقول: يكفينا ما نحن فيه من المشاغل والمشكلات، وما لنا نحن وفلسطين وهمومها ومصيرها؟

كل دولة عربية تعاني من ازمات داخلية، بين مكوناتها العرقية او الدينية أو المذهبية والفتن خرجت من عقالها تقطع الليل الداهم، وليس هناك من دولة آمنة على حدودها من الدولة المجاورة، ومن الدول التي تدعم الدول المجاورة، والتحالفات العربية لم تعد بين دولة عربية وأخرى أو اكثر.

وإنما اصبح التحالف المكين والفعال الذي تنام فيه أعين الانظمة أمانا واطمئنانا هو مع الدول الغربية الكبرى، وافضلها بطبيعة الحال ما كان مع القوة الدولية العظمى الوحيدة وهي الولايات المتحدة يليها الاتحاد الاوروبي، ثم سائر اقوياء العالم موقفا لقائمة تسلسل الدول الاقوى والاعظم نفوذا وليس في هذه القائمة مع شديد الاسف اي دولة عربية أو حتى اسلامية.

ومن البدهيّ ان اشغال الدول العربية بمشكلاتها الداخلية وافتعال ازمات ومواجهات مع العالم الخارجي الذي يقوده مجلس الامن المسير من قبل الولايات المتحدة، يخدم المصالح الغربيةوالاسرائيلية، ويخضع الامة العربية للاشتراطات والقيود الاجنبية، ويبعد العرب عن الالتصاق بقضاياهم المصيرية والمركزية - وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي كانت، منذ نشأتها مصدر وحدة وتضامن للشعوب العربية.

ومن الطبيعي ان القوى الاجنبية الطامعة ترى في اتحاد العرب وتضامنهم مصدر خطر على مصالحها وتسعى بكل قواها لتفريق الكلمة وزعزعة الصفوف وبذر بذور الخلافات والمنازعات في طول الخريطة العربية وعرضها.

وإن ما يحدث في لبنان، وبين لبنان وسوريا، ثم بين سوريا والعراق الخاضع للاحتلال والتوترات على ساحة المغرب العربي، وغير ذلك من الامثلة على حالة عدم الاستقرار السائدة على الساحة العربية - كل ذلك يوضح ما وصلت إليه الاوضاع في العالم العربي من تدهور وتراجع، ويقدم اجابة كاملة عن التساؤل الفلسطيني عن سبب تقاعس الاشقاء العرب عن نصرة القضية الفلسطينية، بل ووضع هذه القضية على رف النسيان والاهمال المقصود، أو غير المقصود.