في "يوم القدس"، يطيب لنا ان نحيي "حزب الله" وكلنا حزب ألله الواحد الاحد، ولا احتكار... الذي صار، ولا غرو، "حارس الذاكرة المقدسية".

ذلك انه يطيب للمسيحيين العرب ان يشهدوا في مثل هذا اليوم، ان من دينهم هذا القول: "في البدء كانت القدس"، هذا تاريخيا وكيانيا، ويظل القول اللاهوتي "في البدء كان الكلمة" مصدر الايمان.

اما بعد، ففي يوم الصدق المقدسي، بعض الحقائق يجدر بنا تأكيدها حتى لا يبقى بين الناس اي مجال للريبة او التشكيك:

اولا: لا نجد في البقاع، على حدود غير مرسّمة بعد بين سوريا ولبنان، اية حدود فلسطينية او اي طريق يمكن ان يسلكه غلاة المقاتلين الفلسطينيين بسلاحهم الى تحرير القدس، او اية بقعة محتلة من الارض المقدسة لننتزعها من احتلال العدو الذي دنّسها. فلماذا السلاح الفلسطيني هناك؟

ثانيا: اتفاق القاهرة الذي اقرته الحكومة اللبنانية مرغمة لتمنع التجاوزات الفلسطينية، ايام خوَّلت الدول العربية المظفّرة "منظمة التحرير" مسؤولية استعادة الاراضي الفلسطينية... اتفاق القاهرة، حتى اذا افترضنا ان ثمة منه بقية صالحة للتنفيذ او الاستيحاء، لم ينص على مواقع مسلحة خارج المخيمات.

فباسم اي حق يطالب غلاة الفلسطينيين اياهم بحصانة لمواقع نشأت فجأة في البقاع وينكرون على الجيش اللبناني الذي حرمه بعض تلك الفصائل حتى شرف الدفاع عن أرضه في الجنوب خلال الغزو الاسرائيلي عام 1978، ليبقى الجنوب وأهالي الجنوب في عهدتها؟

علماً بأن هذا الجيش الباسل بالذات تصدّى للاسرائيليين بشجاعة عوّض بها فقر عديده وعتاده، واضطر وضباطه وعسكره الجيش الاسرائيلي الى التقهقر الى ما بعد الحدود. وكان ذلك عام 1969، أي قبل "أيلول الأسود". وكانت القوة آنذاك بقيادة ضابط بطل اسمه موسى كنعان.

ولم تتفتق عبقرية قائد للجيش أو رئيس للجمهورية عن نظرية استراتيجية تقول إن ارسال الجيش الى الحدود "في زمن الحرب" (!!!) هو بمثابة الحماية لجيش العدو وليس لحماية أرض لبنان وكرامة هذه الأرض وجيشها.

ثالثاً: سبق للجيش، تنفيذا لقرار مجلس الأمن الرقم 425، أن فرز فرقة أو فصيلاً وضع في الجنوب بأمرة القوة الدولية وكقطعة منها، وذلك على سبيل الشروع في تنفيذ البند القائل، في صلب الـ425، أن احدى مهمات القوة الدولية هي "مساعدة الدولة على بسط سيادتها على كامل أراضيها" حتى حدودها المعترف بها دولياً.

وتبخّرت القطعة من الجيش في زمن لم تكن خلاله قيادتها مشغولة بمصير الجنوب، بل بالمصير اللبناني المسترهن آنذاك لأجهزة "الدولة الأمنية المخابراتية الخ...".

فلماذا لا تأخذ قيادة الجيش المبادرة فتبحث مع قيادة القوة الدولية معاودة الاختبار، فتنضم قطعة أكبر من "الرمزية" الى ذوي القبعات الزرق وتشاركها في "بسط الأمن والسلام" على "منطقة عملياتها"، وهي المنطقة المشهود بأنها الأهدأ والأهنأ؟

لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

في "يوم القدس"، بعض المصارحة من وحي عاصمتنا الدينية المشتركة، علّنا بعد ذلك نصلّي معاً ويعود التحزّب للّه تحزُّباً له، تمجد اسمه وعظُمَت قدرته على تصفية القلوب والنيات من كل ما هو غريب عن ذكراه.