لقد ازدادت التحديات التي يواجهها الإنسان في هذه البقعة من العالم، فالتوترات في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية تزداد يوماً بعد يوم، المنطقة لا تزال تعيش في بؤرة التوتر العالمي، عدم استقرار في العراق الحبيب.

واحتمالات نشوب جبهة جديدة لتوتر واردة، سواء في إيران أو سوريا، والجامعة العربية تحاول قدر المستطاع أن تلعب دوراً في الاتجاه نحو الحوار بدلاً من استخدام السلاح، بالرغم من ان تلك المهمة هي كمن يمسك بنصل السيف القاطع.

إلا ان إسكات المدفع، ورفع الرايات البيضاء هي مهمة مستحيلة، بكل المعايير، في منطقة هي بؤرة التوتر منذ ما يزيد على عدة من القرون. إن البحث عن الاستقرار، ربما أصبح حلماً من أحلام اليقظة، وفي أحسن الحالات هو سراب، يحسبه العطشان ماء، كلما اقترب منه، ازداد عطشاً، وإرهاقاً دون الحصول على الماء!!

فمن الأهمية الاستراتيجية، إلى الأهمية الاقتصادية، ومن عنق الزجاجة بين المعسكرين في الحرب الباردة، إلى منطقة تحلم بها كل الدول الصناعية، فهي التي تمتلك المصدر الوحيد للطاقة، وفي الوقت نفسه هي مهد الحضارات والديانات.

وهي التي توجد بها كل المتناقضات بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، بين من يمتلك كل مقومات النهضة، والقوة، وكل ما هو مشترك، الثقافة.... إلا إن العوامل الخارجية وحتى الداخلية تحول دون تحقيق حلم ذلك الطفل في التنقل بحرية من المحيط إلى الخليج.

وأن يحقق حلمه في العيش بسلام وبرخاء وبحرية، مائة عام من محاولات الخروج من الأزمة، إلا إن الأزمة أصبحت أخطبوطاً ذا أذرع طويلة، وربما قاتلة، وفي كثير من الأحيان سامة، مما زاد من حدة اليأس مما جعل ذلك الإنسان يبحث عن الحلول، مستعداً لدفع الثمن للتخلص من هذا الكابوس القاتل.

دخل في عدد من الأنفاق، اعتقاداً منه أن ذلك قد ينهي الأزمة التي يعيشها، جرب كل التيارات الفكرية بكل تناقضاتها، وتلك الرحلة أخذت منه عدة عقود من الزمان، عاش كل تلك التناقضات .

وحلم في ان يكون إنساناً حراً، صورت له تلك الاتجاهات الصورة المثالية لحياة أفضل، إلا أن الحلم كان ينقلب إلى كابوس قاتل، حينما يصل إلى السلطة من كان يتفوق على ميكافيللي في نظرية الغاية تبرر الوسيلة، ومنذ عقود والبحث لا يزال جارياً عن المنقذ للإنسان من جبروت السلطة.

ظلت الأطراف البعيدة من مركز القرار، والاهتمام، بعيدة عن تلك الصور القاتمة من الحضارة الإنسانية، في جانبها المظلم، وظل إنسان تلك المنطقة يعيش على الهامش، فهو يعيش في مرحلة ظلت العلاقات الاجتماعية والسياسية المنسجمة والودودة هي السائدة، وهي التي تجعل الجميع يعيشون بسلام اقتصادي إلى حد ما.

ظل التلاحم والمساواة هما السائدان، حتى المساواة في الفقر والفاقة بين الجميع.في هذه البقعة من العالم، عاش الإنسان يصارع الفقر والفاقة؟ إلا إنه ظل متمسكاً بالمبادئ الأساسية لهذه الأمة، يتفاعل مع القضايا العامة للأمة العربية والإسلامية.

بالرغم من أن الأسوار العالية قد بنيت من حوله بشتى الوسائل، إن القوى الخارجية حاولت أن تحرمه من أبسط الحقوق بما في ذلك حقه في التعليم، واستخدمت كل الوسائل للحيلولة دون نيله حقه من العلم؟، أو الحياة بشكل إنساني!!

تلك الأجواء السوداوية لم تتمكن من ذلك الإنسان الذي أصر على البقاء والمقاومة.وكان دؤوباً على أن يظل نخلة باسقة في أعماق الصحراء، أو جملاً يتحمل الرمضاء، ويظل يقاوم من أجل البقاء.

في هذه الأرض الجرداء، والطاردة للإنسان، يبقى الأمل هو المنقذ من الموت.إن الأقدار تستجيب لمن يتمسك بالحياة أو من يؤمن بأن البقاء لمن يضحي من أجل الجماعة، وإن الإرادة من أجل الحياة.

هي التي تخلق القيادات الإنسانية. قائد قد آمن بأنه جاء لخدمة وتوفير الحياة الكريمة لأبناء شعبه سواء لإفراد من عائلته أو قبيلته أو شعبه أو الأمة التي ينتمي إليها.

كان ذلك الشاب الذي يحلم في تحقيق حلم جده المرحوم الشيخ زايد بن خليفة في الوحدة والقضاء على التشرذم، والفرقة، إنسان كان يحلم بالوحدة، وإن المال ما هو إلا الوسيلة لتحقيق حياة كريمة للإنسان، وإن العدالة هي جعل الإنسان ينام في الأمن والأمان.

وأن يسعى إلى خلق نموذج لحلم عربي قديم في الوحدة والاستقرار، وأن تزول الفروق بين المواطنين سواء من الذكور أم الإناث، وأن يتم العمل بشكل جاد في خلق وتطوير أداة التغيير، وأن ينتقل الإنسان بحرية في وطنه من الشمال إلى الجنوب.

ومن الشرق إلى الغرب، وإن يتخلص الإنسان من سنوات وسيكولوجية الحرمان للأبد ومن دون رجعة. وأن انجاز ذلك لن يتم إلا عبر الإنسان المتعلم والحر.الانطلاقة الأولى كانت من تلك الواحة في الصحراء في العين، تلك المدينة التي تعلم الإنسان فيها أن البقاء لمن يستطيع أن يقاوم وأن يعرف كيف تدار المجتمعات.

ذلك الإنسان الرائع هو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، زعيم الأمة، لقد رسخ استمرار أول تجربة وحدوية ناجحة على المستوى العربي، كان يتابع كل صغيرة وكبيرة يومياً.

ولعل الجميع يتذكر أنه بعد عودته الأخيرة من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من كل ظروفه الصحية، عاد لممارسة عادته الجميلة في تفقد المشاريع القائمة بذاته، كان يريد أن يؤكد أن القيادة الحكيمة لا تعتمد على التقارير أو غيرها، بل الإشراف الذاتي على تلك المشاريع والمتابعة.

كم هو حزين ذلك اليوم من العام الماضي، حينما أدركت الأمة؟، ان قائدها وزعيمها، قد اختاره الله، يوم سادت فيه أجواء الصدمة والحزن الحقيقي، كان كل من يسكن أرض الإمارات، والدول العربية والإسلامية، يعيش في لحظة من الصمت، والحزن، كان سيد الموقف.

إنها لحظة فقدت فيها الأمة آخر عقلاء القرن العشرين، وتذكر الجميع ذلك الإنسان الذي يتحدث بعفوية الإنسان المخلص في كل القضايا سواء المحلية أو الإقليمية والعربية والعالمية، خرج الناس من كل مكان وحتى من المناطق البعيدة.

مثل قرية سكمكم وواحة ليوا..... شعر الجميع أنهم أصبحوا أيتاماً، بعدما رحل الأب والأخ والصديق، ذلك الإنسان الذي أطلق صيحة »إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي«.

لقد رحل ذلك الإنسان العظيم، وهي سنة الحياة، إلا إن المهمة الصعبة هي المحافظة، بل والاستمرار في نهج إنسان آمن بالحياة، وبأن العمل هو قيمة الإنسان.

إن الآلاف من شباب الوطن، والأمة العربية والإسلامية، أدركت ان الحياة تتطلب أن تظل وفية لهذا الإنسان الرائع القادم من أعماق الوطن، وذلك بالمحافظة على نهجه في معالجة الأمور والاستمرار في ترسيخ الدولة الاتحادية ومؤسساتها، وبأن الحضارة والتقدم يبدآن بالإنسان. الذي يجب أن يكون حراً في وطنه.

رئيس وحدة الدراسات -البيان

almutawa_mohammed@hotmail.com