بدا "ديتليف ميليس" رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري مرتبكاً محرجاً أمام الصحافيين في "نيويورك"، وهو يحاول تبرير وجود نسختين مختلفتين من التقرير عن نتائج التحقيق.
لقد شكك ذلك نسبيا في مصداقية التقرير الذي احتوى في نسخته الأولى التي وزعت على الإعلاميين باليد على أسماء بعض المسؤولين الأمنيين السوريين واللبنانيين، بينما حذفت تلك الأسماء في النسخة التي أرسلت لوسائل الإعلام على الإنترنت.
مما كشف عن عدم التأكد من ثبوت الاتهام تجاه هؤلاء مما اضطره إلى تعويم الاشتباه تحت عبارة تورط "الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية".
وهو أمر أكثر عمومية وأقل تحديدا، وأكثر ضررا وأقل فائدة، لينقل الاشتباه بذلك من عدد محدد من الأشخاص إلى عموم جهاز الأمن في البلدين، وبالتالي إلى قيادات البلدين، بينما الذي يدفع الثمن في العادة هم شعب البلدين.
والمهم أنه أخيراً صدر التقرير الدولي الذي يطرح من الأسئلة أكثر مما يجيب على العديد من التساؤلات، وفي ظل ضغوط استباقية ضد سوريا من بعض الأطراف الدولية التي بدت وكأنها تعرف مسبقا ما سيعلن عنه التقرير، وتستعد لحملة لفرض العقوبات علي دمشق من خلال مشروعات قرارات أعدت حتى قبل صدور التقرير بينما يستعد مجلس الأمن للمناقشة!!
وفي المقابل كانت دفاعات سورية استباقية باستعدادها للتعاون مع اللجنة الدولية، وإتاحة الفرصة لها لزيارة دمشق والتحقيق مع من تشاء، ونفي الرئيس السوري بشار الأسد في حديثه لـ "سى.إن.إن" الأميركية أي علاقة للأجهزة الرسمية بالجريمة، مشيرا في قول يبعث على الاحترام إلى أن من يثبت اشتراكه في هذه الجريمة هو خائن لسوريا.
ومع تأكيد "دمشق" على القلق من تسييس التقرير، لوجود خطة »لابتزاز سوريا« في إطار ترتيب لأوضاع المنطقة بما يخدم الأهداف الأميركية والإسرائيلية، وبين اتهامات مرسلة من هذا الطرف أو ذاك، بما وفر مناخاً من البلبلة والإشاعات في غياب أية حقائق دامغة.
حبس الناس أنفاسهم يترقبون جميعاً صدور التقرير "الحاسم" للجنة التحقيق الدولية. ومع الساعات الأولى لتسليم "ميليس" التقرير "لكوفي عنان" السكرتير العام للأمم المتحدة سارعت وكالات الأنباء لبث تقارير إخبارية موجزة عما يحتويه التقرير، وامتلأت الفضائيات بالبث الفوري تحت إشارة "خبر عاجل"..
تنقل في صياغات متسرعة أحياناً وغير دقيقة أحياناً، معلومات واتهامات تثير من البلبلة أكثر مما تحقق السبق بإعلام المشاهدين.. حتى أنقذتنا قناة "الجزيرة" في مبادرة إعلامية موضوعية لبث ترجمة فورية للنص الكامل للتقرير، على مدى 4 ساعات كاملة حتى أطل الصباح.
مما مكن المشاهدين والمراقبين من تبين الفارق بين ما أوردته الوكالات الغربية من "صياغات التحرير"، وبين ما أوردته ترجمة الجزيرة من "عبارات التقرير". وبعد ساعات من عناء المتابعة، نكتشف أن التقرير المفاجأة لم يحمل آية مفاجأة حقيقية.
إذ أنه جاء في سياق ما سبق أن توقعه المتشككون »بتسييس التقرير«، ولم يزد كثيراً عن إعادة ترديد ما سبق أن تردد على ألسنة السياسيين والإعلاميين في "واشنطن" و"تل أبيب" و"باريس" و"بيروت"، من اتهامات بتورط "الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية" بعد ساعات فقط من اغتيال الحريري..وقبل إجراء أى تحقيق !
وكان يمكن لهذه النتيجة أن تكون محل الثقة، لو أن هذا الاستنتاج استند على أدلة ثبوتية مادية، وليست روائية.. وقطعية وليست ظنية، بما دفع أوساط في بلد مثل »فرنسا« لأن تعلن في تصريح لافت إن التقرير لا يحتوي من الأدلة على ما يرقى إلى مستوى توجيه الاتهام.
لقد سبق إعلان هذا التقرير الدولي تصريح باعث على الاحترام والثقة على لسان "سعد الحريري" في "القاهرة" يؤكد فيه أن عائلة الحريري لن تقبل أن تستغل دماؤه الطاهرة للإدعاء ضد هذا الطرف أو ذاك بغير دليل ثابت تظهره الحقيقة الكاملة التي يتطلع الجميع إلى الكشف عنها.
كما سبق هذا التصريح المسئول، تأكيد باعث على الاحترام والثقة من »كوفي عنان« يشير إلى أنه من موقعه في المنظمة الدولية لن يسمح لأي "تسييس" أن يأخذ تقرير "ميليس" في الاتجاه الذي يريده هذا الطرف أو ذاك ضد هذا أو ذاك.
و بعد تسلمه نسخة من التقرير أعلن رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في تصريح يعكس الرؤية الاستراتيجية أنه لا شيء يمكن أن يؤثر سلبا على استمرار العلاقات اللبنانية السورية، وتلا ذلك تصريح باعث على الاحترام للزعيم اللبناني وليد جنبلاط يرفض فيه أن تستغل تفسيرات بها شطط لهذا التقرير لفرض عقوبات على الشعب السوري.
لكن التقرير وأن أضاف إلينا العديد من الإشارات والمعلومات عن بعض الوقائع والشهادات والأشخاص، والتي بغير شك تزيد من مساحة معرفة الطريق إلى الحقيقة، إلا أنها تبقى جميعها في إطار "الإدعاء" الذي ينتظر "الدفاع"..
حيث يعلم الجميع أن اللجنة مهمتها المساعدة في "التحقيق" لتوفير الأدلة التي توفر المبرر القانوني لتوجيه الاتهام وأن هدف »التحقيق".. أي تحقيق..هو الوصول إلى "الحقيقة الكاملة".. ولما كان العدل يتم إقراره في مجلس القضاء، والقضاء يقوم على "إدعاء" يواجهه "دفاع"، وبعدهما "قضاة" عدول يحكمون وفق القانون،
ولما كانت المحاكم الجنائية لا تعترف إلا بالأدلة القطعية المادية لا الظنية ولا الأقوال المرسلة، وأن أي قدر من الشك لا يقطع بثبوت الدليل ويكون في صالح المتهم، وليس العكس، و المعروف أن المتهم يظل بريئاً حتى تثبت إدانته..
و كان "ميليس" قد اعترف في تقريره بنفسه أن هذا التحقيق ليس نهائياً لأنه لم يصل إلى الحقيقة بعد، وأن الذين يشتبه فيهم الآن يبقون أبرياء إلا إذا أدانتهم المحكمة بعد سماع الدفاع، وأن الوصول إلى الحقيقة الكاملة يستلزم مواصلة "التحقيق" الذي قد يستغرق عدة سنوات.
لهذا فإن ما حواه التقرير، لا يصل بأي حال إلى أكثر من نصف الحقيقة، وإذا كان نصف الدجاجة لا يمكن أن يضع بيضة.. فهل يمكن لنصف الحقيقة أن تلد الحقيقة ؟!
كاتب مصري