لاشك أن الحضارات، التي ادعت لنفسها حمل حضارات عالمية، كلها كانت لها طموحات كونية ومشروع للعولمة حسب مفاهيمها وتصوراتها غير ان الحضارة الغربية هي التي استطاعت من بين الحضارات الأخرى حتى الآن ان تسير بمشروعها العولمي بخطى ثابتة وان أبطأت في بعض الأحيان ولكنها حافظت على سيرورة قوامها التراكم المادي .

وجدلية الفكر، فمفهوما إرادة القوة والبقاء للأصلح هما الدليلان اللذان قادا مسيرة الحضارة الغربية عبر التنافس والصراع والحروب والاحتواء والاستعمار والتصفية المادية والروحية لبعض الأجناس والهويات, والتهميش للأمم والحضارات الأخرى.

لقد أنجزت أوروبا على طريق العولمة انجازات اقتصادية وسياسية ضخمة في مرحلة الاستعمار او مرحلة العولمة بقوة السلاح ولهذا فإن الولايات المتحدة عندما استلمت لواء العولمة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية .

وجدت أمامها نظاما اقتصاديا رأسماليا عالميا صنعته جيوش وشركات أوروبا واحتكاراتها ومؤسساتها الصناعية ارتبطت به مصائر مليارات من البشر كذلك البيئة السياسية الدولية كانت بدورها جاهزة للعولمة فقد عملت أوروبا بدأب طوال أكثر من أربعة قرون بواسطة جيوشها ومفكريها.

ومراكز أبحاثها ومستشرقيها على إعادة عجن وخبز الشعوب والثقافات والأمم فخلقت دولا لم تكن موجودة وقطعت أوصال أمم عريقة ونمت وتعهدت بذور الشقاق الإثني .

والطائفي لكي تتجذر على مهل في تربة النسيج الاجتماعي للشعوب حتى يمكن توظيفها لاحقا إذا اقتضت مصالح الغرب ضرورة تفجير هذا المجتمع أو ذاك، فكان على الولايات المتحدة فقط أن تزيح سياسيا أو عسكريا منافسها الغربي الآخر على القيادة ليصبح الطريق مفتوحاً أمام هذا النظام.

فأوروبا هي التي وضعت الأساس الاقتصادي والسياسي والثقافي لنظام المركز والإطراف، ولكن ما إن استلمت الولايات المتحدة لواء مسيرة العولمة بعد الحرب العالمية الثانية فكت الارتباط بين العولمة والاستعمار المباشر أي العولمة بقوة السلاح.

بالعولمة الأميركية بالاستتباع الاقتصادي والسياسي مع الاحتفاظ بحق استخدام القوة في الحالات التي تقتضيها موجبات الصراع مع القطب الآخر حول قيادة المركز وزعامة العالم.

لقد قطع المشروع الحضاري الغربي في مرحلة العولمة الأميركية مسافة ليست بالقصيرة في اتجاه أحلام أولئك الرواد الذين حلموا بشمولية ثقافة الغرب وحضارته منذ عدة قرون من أمثال كوندرسيه وايمانويل كانت واوغست كونت..

لقد كان خطاب الرئيس جورج بوش (الأب) أمام الجمعية العامة في سبتمبر عام 1991 تتويجا للجهود التي بذلتها الولايات المتحدة عبر التنافس والصراع منذ أن تسلمت لواء العولمة الغربية.

كما كان بمثابة إعلان عن تحقق حلم عجزت كل قوى الغرب العظمى عن تحقيقه في السابق، وهو الانفراد بقيادة المركز والعالم معا بصرف النظر عن استمرارية ذلك وديمومته .

إن الرسالة الحضارية التي تنهض الولايات المتحدة تجاه الحضارة الغربية لا تتمثل في إنجاز العولمة السياسية والاقتصادية، التي سبق لأوروبا أن أرست أساسياتها وقطعت شوطا كبيرا على طريق انجازها، تتمثل في تحقيق عولمة ثقافة الغرب ، وهو المشروع الكبير الذي لم ينجح الغرب في تحقيقه طوال خمسة قرون من الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية .

فبالرغم من السيطرة والاحتواء والتصفية التي مارسها الغرب طوال قرون عديدة ضد الأمم والشعوب والهويات، فإنه لم يستطع انجاز مشروعه الثقافي بالنسبة للعالم، المشروع الذي بشر به كوندرسيه وايمانويل كانت، فظل متوقفا عند عتبة التبعية الثقافية:

أي تأثر الثقافات الأخرى وارتباطها بثقافة الغرب ولاسيما في المجالات العلمية من دون أن يصل الأمر إلى حد محو هذه الثقافات وإلغاء وظيفتها كوعاء لتشكيل الوعي والإدراك والتعبير لدى هذه الشعوب .

ولذا فإن الدور التاريخي المناط بالولايات المتحدة في مرحلة العولمة الأميركية بالاستتباع، هو انجاز نقلة نوعية في تاريخ المشروع الثقافي والحضاري الغربي: أي نقل ثقافة الغرب من حالة الثقافة المتبوعة إلى ثقافة تشكيل الوعي والإدراك والتعبير الوحيدة في عصر العولمة بالنسبة لكل البشر.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي