هناك ملاحظات من المهم رصدها فيما جرى من أحداث طائفية في حي »محرم بك« بمدينة الاسكندرية المصرية يوم الجمعة قبل الماضي وأدت الى وقوع قتلى وجرحى وإتلاف ممتلكات لمسلمين ومسيحيين في الحي الذي يسكنه عدد كبير من الأخوة الأقباط ويتجاور فيه الجامع الذي تجمهر أمامه المتظاهرون والكنيسة التي حاصروها ولا يفصل بينهما سوى أمتار قليلة.
أول ما يستوقف من ملاحظات قبل مناقشة التفاصيل أن هناك غياب كاملا لسياسة إدارة الأزمات وسبل التصدي لها والتحرك الناقص بعد اشتعالها والاكتفاء بالظهور الامني فقط على مسرح الأحداث.
وتسليم الأمر برمته الى وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية ووقوف باقي أجهزة الدولة موقف المشاهد والمتفرج دون حراك وهو نفس المشهد المتكرر في أحداث الفتنة الطائفية السابقة في القاهرة والبحيرة والفيوم . الغياب أيضا لا يقتصر على الدولة إنما على الأحزاب والجماعات والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.
الملاحظة الثانية أن الأيادي الخفية التي تحاول العبث في صميم الكيان المصري و"مشعلي الحرائق" في نسيج الوحدة الوطنية يبدو أنهم أكثر جهوزية وإعدادا في التخطيط والتحرك والتنفيذ من كل أجهزة الدولة.
فقد تم طبع آلاف الأقراص المدمجة للمسرحية سبب المشكلة وتوزيع المنشورات التحريضية وحشد صغار السن ومحترفي المظاهرات و أغلبهم من خارج الاسكندرية وإسكات كل من حاول تهدئة الموقف.
هناك حالة غضب تنفجر سريعا في مثل هذه الأحداث ويحركها مناخ عام تسيطر عليه الشائعات والأكاذيب وتجاهل الدولة في التصدي بنشر الحقائق وتفاصيل ما جرى في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية يدركها الجميع وكان الملاحظ أيضا أن هناك حالة غضب مزيف جاهل تغذيه رغبة في الصراخ والتظاهر المجاني دون الوقوف على الحقيقة أو حتى معرفة السبب في الخروج.
والاحتجاج فالغالبية العظمى من المحتجين أو فلنقل جميعهم لم يروا أو يسمعوا عن مسرحية "كنت أعمى والآن بصيرا" سبب الأزمة. الأحداث جاءت في توقيت في غاية الأهمية في مصر فهو يسبق الانتخابات البرلمانية التي يعتبرها الجميع بداية الخروج من نفق التيه السياسي في مصر.
وتدشين لعصر يأمل فيه الجميع أن يكون بداية لمستقبل ديمقراطي جديد مترافق مع ضغوط شعبية منادية بالإصلاح والتغيير السلمي الديمقراطي فكما قيل أن المسرحية تم عرضها منذ عامين ولمدة يوم واحد فقط داخل كنيسة مار جرجس .
ولم يشاهدها مسلم واحد فلماذا تفجرت الأحداث الآن وفي الاسكندرية تحديدا رغم نفي الأنبا شنودة بطريرك الكنيسة المصرية من إساءة المسرحية للإسلام أوالمسلمين.
الاستثمار السياسي القبيح للأحداث من بعض الجماعات والقوى السياسية وتواجد عدد من المرشحين للانتخابات البرلمانية في مكان الأحداث على الفور وقيامهم بتوزيع البرامج ورفع الشعارات الانتخابية يعكس حالة الانتهازية السياسية في مصر التي لا ينشغل أصحابها بالهم الوطني.
هناك التباس واضح في التعاطي مع بعض الحرية الصحافية والفصل ما بين روح العمل الصحافي والمسؤولية التي هي حالة الوعي بالرسالة والدور وإدراك معايير الرشد للممارسة المهنية.
غياب مشروع قومي أو وطني حقيقي وصادق يلتف حوله الجميع جعل الانتماء للدين أسبق من الانتماء للوطن كما كان في السابق وحتى وقت قريب وآخرها في حرب أكتوبر المجيدة التي نحتفل بذكراهاالآن.
ان المسيرات السلمية وتعانق الأكف ورفع شعارات الوحدة الوطنية أمام كاميرات التصوير لم يعد كافيا ولا بد أن يكون الأمر في مقدمة أولويات كل القوى والأحزاب السياسية لأن تجاهل هذا الملف يعني مصيرا مجهولا ويفتح الباب أمام تدخل خارجي طامع في ظل اجواء أقليمية مهيأة.