يمر المرء بأيام يستغرب فيها من أصحاب العيون الثماني، فأي قلوب يحملون؟ أين المودة والمعاشرة بالمعروف؟ كيف يعدلون في المودة طالما لن يستطيعوا ولو حرصوا؟ حتى العدل في المعاشرة والمعاش والمسكن والملبس وغيرها، تتطلب من المرء أن يصبح قاضياً، فهل هم أزواج أم قضاة؟ وإن كانوا يسهمون في حل مشكلة اجتماعية كما يدّعون، فلم لا يتصدون لباقي المشكلات؟
في أيام أخرى يتساءل: لم تحرّم على نفسك ثلاث أكلات متنوعة مكتفياً بالبرياني بينما أباح الشرع ـ بشرط العدل ـ أربعاً لهن ثماني عيون؟ يتعمق أكثر: لو اكتفى كل رجل بواحدة، فأين سيذهبن الآلاف من بنات حواء اللاتي لا يجدن أحداً من أولاد آدم في ظل تفوقهن العددي في كثير من المجتمعات كمجتمعات الخليج؟ ثم يمرون في خياله أبطال المثنى والثلاث والرباع كأنهم في عرض عسكري.
ثم يمر بأيام وسط، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يخلو إلى نفسه في منولوج طويل: كيف تغيرت نظرتي مئة وثمانين درجة؟ بعد سيل من الأسئلة، ينتهي إلى الجلساء: حين يكثر من زيارة أهل الرأي الأول، يكون معهم قلباً وقالباً، وحين تتكرر لقاءاته بأصحاب النظرة الثانية، يحدث نفسه في تقليدهم.
وتأتي على المرء أيام يسارع فيها إلى تغيير القناة ما إن يسمع أخبار القتل، ولو حصل أن شاهد يداً مبتورة، انهمرت دموعه شفقة ورحمة. ثم تأتي أيام أخرى يبحث فيها في الإنترنت عن مشاهد قطع الرؤوس، ويضرب قبضته على الطاولة لأن الموقع محظور، فشيء ما في قلبه لا يهدأ إلا برؤية الأعناق المجزورة حتى ينتهي سيافاً أو في أفضل الأحوال مفتوناً به.
يعود متسائلاً: ما هذا التقلب؟ كيف كنت طيّع الدمع حيناً وعصيها حيناً آخر؟ أين ذهب إحساس الألم من رؤية اللحم المقطوع؟ لا بد أن يتذكر حينها رفقاء أيام الدموع وجلساء أيام السكاكين.
ويقضي المرء منا أياماً يسير فيها في الشوارع بجناحي الرحمة: هذا ينحرف عليه، هذه تكاد أن تقتله، ذاك يحاول إزاحته عن الطريق، لكنه كأنه ليس معهم وليسوا معه، عالمه غير عالمهم. في المقابل يقضي أياماً أخرى ينحرف فيها على الآخرين قاصداً، ومن استخدم معه الزامور مرة، أخرج له بوقه وطبله وزفه إلى نهاية الطريق.
حينما يتذكر الجلساء، ففي الثانية جماعة رد الصاع صاعين، والبادئ أظلم، وإذا كانوا أكثر لطفاً قالوا وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به. أما الأولى هم الذين إذا لطمتهم على الخد الأيمن أداروا لك الأيسر، وإذا سألتهم: ماذا أنفق؟ قالوا: العفو، ويرددون: ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
عند ذلك، تستنكر نفسه اللوامة: ما هذه الهشاشة؟ يجلده ذاته موبخاً: ويحك! لو وصلت لمفترق أبواب، فلن تبحث عن أكثرها أماناً وأقربها إلى الطريق الصحيح، بل إلى أولها فتحاً أمامك وترحيباً بدخولك.
يعود مدافعاً: يؤكد العلم وبالتجربة أن النبات والحيوان يتأثران بمن حولهما، وفي القرآن الكريم أن الحجر يهبط من خشية الله، أفلا يتأثر الإنسان؟ لذلك فكل منا يستطيع أن يختار الطريق التي يحب أن يسير فيها، ولا عذر لأحد، وصدق القائل: «جليس المرء مثله».
Ahmed amiri@hotmail.com