من إعصار إلى إعصار، ومن زلزال إلى آخر، ومن تسونامي إلى حرائق غابات.. لقد شهد العالم العام 2005 (ومن قبله الأسبوع الأخير من العام 2004) الكثير من الكوارث الطبيعية والمآسي البشرية، وهو ما أحدث نوعا من الفزعة الدولية لتقديم العون، ولكن ما قد يثير القلق في هذا الأمر هو تسلل شعور بالسأم من تكرار حالات التبرع، سواء الفردية منها أو الدولية التي تقدم في العالم الغربي من أموال دافعي الضرائب.
ومن المقلق أيضا أن الدول المانحة باتت تئن تحت وطأة الكوارث الطبيعية وتاليا دخولها »نادي البؤساء« ومستحقي التبرعات كما حدث مع الولايات المتحدة الأميركية خلال شهر سبتمبر الماضي بعد إعصار كاترينا، الذي لم تنجل آثاره المدمرة عن الولايات الجنوبية الشرقية في أميركا حتى ولد إعصار آخر، بينما كان هناك إعصار ثالث يتحرك غير بعيد عاث دمارا في جزيرتي هاييتي والدومينيكان، ووسط لجة هذه النكبات في أقصى غرب الكرة الأرضية كانت الأرض تهتز في أقصى شرقها: في باكستان والهند وأفغانستان، ما رسم حالة دراماتيكية كلها مآس وهلاك.
الفزعة الدولية إلى باكستان تقاطرت من كل أصقاع الأرض؛ خيام، ومواد غذائية، وأدوية.. ولكن حتى متى؟ فما إن يمر على وقوع الكارثة أسبوعان (وفي أحسن الأحوال شهر) حتى تتقادم الكارثة وتصبح من الماضي، ربما بسبب وقوع كارثة طبيعية، أو بشرية، أو بسبب حالة السأم والملل التي تتغلغل في نفوس المتبرعين.
وهذا الاحتمال عبر عنه بكل وضوح رئيس جمعية خيرية بريطانية قبل أسبوع عندما تحدث عن كلل الناس من التبرع. ولكن على رغم هذا الشعور المقلق فإن بريندان جورميلي الذي يرأس لجنة الطوارئ الخيرية في المملكة المتحدة بدا واثقا أن الناس (وهو كان يتحدث عن البريطانيين تحديدا) سيكونون كرماء بمجرد أن يروا أشياء محزنة.
هذا الإنذار الحسي كان محل تداول في الأمم المتحدة خلال العام 2002 إذ عبرت الجمعية العامة فيها نهاية ذلك العام عن "قلقها" من تزايد عدد الكوارث ونطاقها.
وما يدعم مخاوفنا، ذلك القلق الذي عبر عنه في العام التالي مسؤول كبير في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الذي تحدث عن حالة الملل في الدول المتقدمة من توجيه المساعدات إلى الدول النامية.
وتثير هذه الحالة النفسية قلقا من تلاشي الأحاسيس وروح التضامن والتعاضد بين البشر، وهي قد تكون إحدى نتائج فكر صراع الحضارات، ولكنها بالتأكيد تستند إلى حالة من انعدام الثقة بين العالمين الأول والثالث بسبب حالات الفساد المنتشرة في الدول الفقيرة التي غالبا ما تمد يدها طلباً للعون.
فضلاً عن غياب الشفافية إلى جانب تجارب سابقة مخيبة للآمال استبدلت فيها دول منكوبة منتجات محلية أو ذات مواصفات رديئة بالمعونات ذات المنشأ الفاخر! وكل هذا الذي يحدث ينشر في الصحافة الغربية ما يشوه صورة عالمنا (الثالث) ويعطي صورة لدى الإنسان الغربي أن تبرعاته قد لا تصل إلى ذلك الشخص البائس الذي شاهده على شاشات التلفزيون وأثار إنسانيته وعطفه.
كما بات عمل الخير رهينة للسياسة ولتقلباتها، إلى جانب أن الكوارث البشرية لم تعد حكرا على الفقراء، فالأغنياء أيضا باتوا هدفا لغضب الطبيعة، ومن الواجب على الذين أخذوا سابقا مد يد العون وإن كانت قصيرة.
ما سبق إحدى »زوايا« صورة مقلقة آخذة في التفشي في إطار الفجوة الآخذة في الاتساع بين الشعوب والثقافات، ما يضع عبئاً إضافياً على الدول الغنية لـ »تثقيف« شعوبها بقدسية التعاطف مع الإنسان حتى لو تصادمت السياسة والمصالح والحضارات.
nidal@albayan.ae