أصدر ميليس تقريره ودفع بموضوع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري إلى طريق التدويل، واستخدمت القضية، التي تعتبر جريمة تاريخية بحق، إلى وسيلة ربما تكون مناسبة جدا للتدخل في شأن دولة عربية تعتبر حتى الآن الدولة العربية الوحيدة التي ما زالت تؤمن بنظريات العمل الثوري، والتي تتقاطع كليا مع المشروع الأميركي في الشرق الأوسط على وجه التحديد.

والمتابعون حتى تاريخ قريب يعلمون ان هناك تشابهاً قريباً بين أسلوب التحضير للإجهاز على النظام العراقي السابق والأسلوب الذي يستخدم مع سوريا الآن.

فلقد استغلت الولايات المتحدة الغزو العراقي للكويت لتدفع مجلس الأمن إلى إصدار سلسلة من القرارات كان أهمها القرار المتعلق بلجنة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل (يونسكوم) والتي كلف برئاستها في البداية ايكيوس ولكنه لم يرق للإدارة الأميركية ولم يرتق إلى مستوى الإعلان عن امتلاك العراق هذه الأسلحة فتم تغييره إلى ريتشارد باتلر تلك الشخصية المثيرة للجدل والذي تسببت تقاريره التي قدمها لمجلس الأمن بخلق قناعات ان العراق يمتلك أسلحة دمار شامل.

وفي سبتمبر 1998 اتهم باتلر العراق في تقرير بامتلاك برنامج للتسلح، وكان هذا التقرير سببا في أن تشن أميركا وبريطانيا غارات جوية على العراق قتل فيها الكثير من المدنيين. ثم كانت لشهاداته وتضبيبه للمعلومات والاستنتاجات التي يقدمها سواء لمجلس الأمن الدولي أو في الكونغرس الأميركي الأثر البالغ في إعطاء الإدارات الأميركية قاعدة التحشيد النفسي والسياسي والإعلامي على العراق حتى بدء الغزو عليه واحتلاله عام 2003.

وبعد صدور تقرير ميليس الذي رافقته هالة إعلامية كبيرة خلال جميع مراحل التحقيق والإعداد ثم الإصدار لننتبه إلى ردود الأفعال من ذات الدول التي استهدفت العراق حينها، فهذا الرئيس الأميركي جورج بوش يقول في نفس اليوم الذي صدر فيه التقرير »صدر تقرير في غاية الأهمية وعلى المجتمع الدولي قراءته بانتباه شديد واتخاذ الخطوات اللازمة التي تتوجب من بعده«.

ومن جهته، قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أن »مجلس الأمن سينظر في فرض عقوبات دولية على سورية، بعد أن ألقى التحقيق بظلال من الشك على احتمال تورط دمشق في واقعة اغتيال الحريري. وأعلنت باريس تأييدها لصدور قرر بالإجماع عن مجلس الأمن يطالب سوريا بالتعاون الكامل.

وأحيل التقرير إلى مجلس الأمن بالفعل لتبدأ عملية ماراثون الضغط الدولي على سوريا في قضية يفترض في أبسط صورها ان يكلف فيها ميليس ذاته بالتعمق في التحقيق إلى ان يتمكن من كشف المتورطين في القضية، ليتم إدخال دولة بكاملها في صراع هائل مع ذاتها وجيرانها والعالم بسبب تقرير لم يتهم فيه احد فعليا بالجريمة بقدر إلقائه ظلالاً من الشك هنا أو هناك.

لا استبعد أن يصار بعد فترة إلى تغيير ميليس بآخر ليترأس فريق التحقيق ويفترض أن تبقى أبواب المسؤولين السوريين واللبنانيين مشرعة أمام المحققين حتى يتغير النظام في سوريا أو يتغير المشروع الأميركي في المنطقة.

تساءل سائل يوماً: ترى أين هو ريتشارد باتلر؟ ماذا يفعل الآن؟ كيف يمضي أيام تقاعده؟ هل هناك من يتذكّره؟ ما رأي مواطنيه الاستراليين به؟ هل يتابع أخبار العراق؟ كيف ينظر إلى حمام الدم هناك؟ هل قرأ التقارير الأميركية الرسمية الجازمة بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل؟ هل يعيش أزمة ضمير؟

ألا يخشى أن يحاسبه أحد؟ ألا يشعر بدين في عنقه؟ هل بات أكثر تواضعاً؟ صدقاً؟ نزاهة؟ حيادية؟. والسؤال نفسه قد يقال عن ميليس يوما ما وقد يقال أيضاً للذين سمحوا بتمرير المشروع الأميركي على العراق طيلة اكثر من عقد ونصف من الزمن.

Alkhattab26@hotmail.com