توالت أحداث مهمة على الصعيد الدولي خلال الأسابيع الماضية تمثلت في محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين وتقرير ميليس حول عملية اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق، وكذلك النزاع القائم حول التجارب النووية الإيرانية بين الولايات المتحدة وإيران والوضع في العراق والكوارث الطبيعية التي تلاحقت الواحدة تلو الأخرى في العديد من الدول.

هذه عينات قليلة عن مواضيع تكثر حولها الأسئلة والتفسيرات والتحليلات والتأويلات والتلاعب والتشويه والتضليل، هذا من جهة ومن جهة أخرى نلاحظ أنها تمثل مادة دسمة لوسائل الإعلام لصناعة وفبركة الوعي الجماعي المحلي والعالمي بما يتناسق ويتناغم مع مصالح أباطرة السياسة والمال.

الأزمات والصراعات الدولية والحروب والجرائم والأعمال الإرهابية كتلك التي تعرضت لها أميركا في سبتمبر 2001 وبريطانيا في الصيف الماضي تزيح الأقنعة من حين لآخر على الإرهاب الفكري الذي تمارسه الآلة الإعلامية في الولايات المتحدة الأميركية وفي معظم العواصم الغربية على عقول الناس والبشر والرأي العام.

أصبحت كلمة العرب والمسلمين بطريقة آلية وأوتوماتيكية مرادفة للإرهاب وأصبحت وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وأنواعها تنسج وتخيط صور نمطية وأنظمة فكرية ومعتقدات وإدراكات وقناعات تجعل من العربي ومن المسلم معادياً للإنسانية وللبشرية وللحضارة وللخير والتقدم والإزدهار.

والغريب في الأمر أن الآلة الإعلامية الغربية لم تطرح أسئلة جوهرية في تعاملها مع أحداث نيويورك وواشنطن، أسئلة مهمة ومحورية لو ُطرحت ستساعد من دون شك في عملية اكتمال الصورة الحقيقية لخلفيات الأحداث وتداعياتها.لماذا ضرب الإرهاب أميركا دون سواها؟

لماذا لم تتحرك الآلة الأميركية الغربية عندما كانت دول مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا تأوي إرهابيين من مختلف الدول والجنسيات تحت ستار اللجوء السياسي وحقوق الإنسان وحرية التعبير وغير ذلك…؟ لماذا لم تتفاعل الآلة الإعلامية الغربية مع إرهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني يوميا على الشعب الفلسطيني؟ وهل تستطيع أميركا اجتثاث الإرهاب والقضاء عليه بضرب أفغانستان والقضاء على أسامة بن لادن؟.

هل تطرقت الآلة الإعلامية الغربية للأسباب الحقيقية للإرهاب؟ هل تساءلت الآلة الإعلامية الغربية عن من هو الذي صنع بن لادن والأفغان العرب و»المجاهدين« والجماعات الإسلامية المسلحة و»الأمراء« وغيرهم؟

وهل استعرضت وسائل الإعلام التناقضات القائمة على مستوى العلاقات الدولية وعلى مستوى منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والقائمة قد تطول؟ فالعالم اليوم يعيش في فوضى عارمة تتسم بسيادة القوة والمال والنفوذ على حساب الأخلاق والمبادئ والقيم.

كيف تجرؤ هذه الآلة على تفريغ قضايا وأحداث ومشكلات من محتواها الحقيقي ومن جوهرها وتركز على الشكل والقشور فقط؟ إلى متى تبقى وسائل الإعلام العالمية تتلاعب بعقول الناس وبمصيرهم؟ إلى متى تبقى هذه الوسائل تفبرك الواقع وتزيف الحقائق من أجل مصلحة نظام عالمي جائر وحفنة من أباطرة المال والسياسة؟

تكتسي إشكالية تعامل وسائل الإعلام الغربية مع القضايا العربية والإسلامية أهمية كبيرة حيث أنها تحدد بشكل كبير رؤية وتفكير الآخر في العرب والمسلمين. والأمر هنا يتطلب آليات عملية ومتطورة للحوار مع الآخر بطريقة علمية منهجية ومبنية على الاتصال الإقناعي. الأمر يتعلق بتسويق وإيصال الصورة الحقيقية التي تزيح أي إلتباس أو تشويه أو تضليل عند الآخر.

لكن المشكلة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية في أيامنا هذه هي ضعفها وعدم قدرتها على اتقان لعبة الإعلام والاتصال على المستوى الدولي. وفي هذا الإطار نلاحظ أن الأمة العربية والإسلامية تواجه منذ عقود عديدة من الزمن صعوبات وتحديات خطرة ترتبط بالأفكار والصور التي تصنعها وتفبركها وسائل الإعلام الغربية عن العرب والمسلمين.

من جهة أخرى نلاحظ أن وسائل الإعلام هي مؤسسات تجارية واجتماعية مقيّدة وتخضع لآليات النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تعمل فيه، فهي بطريقة أو بأخرى تمثل هذا النظام وتدافع عنه. فلو نأخذ الولايات المتحدة كمثال نلاحظ أنه خلال العقود الخمسة الماضية تميزت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط بولائها الأعمى لإسرائيل وعدائها الشديد للعرب حتى أصبح نجاح المرشح للرئاسيات الأميركية مرهونا بولائه للوبي الصهيوني وللكيان الإسرائيلي و بتعهده ووفائه لخدمة الدولة العبرية.

وهنا يأتي من دون شك دور جماعات الضغط والأحزاب السياسية واللوبيات التي تعمل جاهدة للتأثير في صانع القرار في اتخاذ القرار الذي يخدم مصالحها وأهدافها. فالحركة الصهيونية عبر تنظيماتها المختلفة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا تسيطر على الصناعات الثقافية ووسائل الإعلام ودور النشر وهذا عملا بتوجيهات وتوصيات برتوكولات حكماء صهيون.

والأخطر من هذا أن رؤوس الأموال الصهيونية توّظف في المقام الأول في وسائل الإعلام والصناعات الثقافية وفي الوسائط التي تؤثر في الرأي العام وفي فكر وإدراك ومعتقدات البشر. فالنفوذ الصهيوني في وسائل الإعلام الغربية وُظف بطريقة منظمة ومنهجية من أجل تقديم صور ذهنية وصور نمطية عن العرب بما يخدم المصالح الصهيونية بالدرجة الأولى.

وبطبيعة الحال ما يخدم المصلحة الصهيونية هو تشويه سمعة العرب والمسلمين وتقديم صورا نمطية تجعل الرأي العام يتخذ موقفا معاديا وسلبيا ضد كل ما هو عربي ومسلم، وهذا الرأي العام يسّهل بطبيعة الحال مهمة المشرع وصاحب القرار في عملية اتخاذ إجراءات وقرارات تضّر بالعرب وبالمسلمين وبمصالحهم وتساند وتساعد الكيان الصهيوني من دون نقاش ولا مساءلة.

إن التشويه والتضليل والانحياز في تغطية العرب من قبل وسائل الإعلام الغربية ناجم عن الصراع الحضاري والثقافي بين الغرب والإسلام، وخاصة بعد انهيار الشيوعية وتفتت الكتلة الشرقية و القطبية الثنائية حيث ظهر النظام الدولي الجديد الذي لا يؤمن بالآخر ولا بالتعددية الثقافية والحضارية ولا يحترم تاريخ الشعوب والأمم. فالإسلاموفوبيا أصبحت هستيرية العصر التي أصابت الغرب والحاقدين على الإسلام بعد انهيار الشيوعية، حيث أصبح هذا الأخير يتصدر قائمة أعداء أوروبا وأميركا.

في ظل هذا التزييف والتشويه والتغطية السلبية للعرب من قبل الإعلام الغربي نلاحظ أزمة في الإعلام العربي في عملية تسويق صورة إيجابية وصورة تصّحح هذا الخلل. فالإعلام العربي، الذي يعاني أساسا من مشاكلات عدة مع النظام والسلطة، لم يحدد إستراتيجية يستطيع من خلالها تصحيح هذا الخطأ وتقديم البديل أو البدائل للرأي العام الغربي والدولي.

فالصناعات الثقافية العربية مازالت ضعيفة جدا لم ترق إلى العالمية ولم تعرف كيف توّظف آليات الاتصال الاقناعي والفعال للوصول إلى الآخرين. والإعلام العربي كما لا يخفى على أحد يتخبط في دوامة من المشاكلات والضغوط قد لا تؤهله للقيام بدور فعّال على الصعيد الدولي، أضف إلى ذلك أن كثيراً من الأنظمة العربية ركّزت جهودها في استخدام الإعلام كوسيلة للسلطة وتثبيت الشرعية والتحكم والمراقبة، ولم تول أي اهتمام للبعد الخارجي أو الدولي الذي من المفترض أن يكون من المهام الاستراتيجية لأي نظام إعلامي في أي دولة عربية.

الحل الوحيد بالنسبة للعرب هو أن يستثمروا وأن يخصصوا ميزانيات معتبرة للصناعات الإعلامية والثقافية بمختلف أنواعها حتى يجدوا مكانة لهم بين الأمم والسبيل لذلك هو تحرير الإعلام العربي وتحرير الفرد وإتاحة الفرصة للمثقفين والمبدعين والنقاد لطرح أفكارهم وآرائهم بكل حرية ومسؤولية وإلتزام للمساهمة والعمل في تقديم البديل، تقديم صورة عربية إيجابية تصّحح الأفكار المسبقة والصور المزيفة والمشوّهة وتُعرّف الآخرين بحقيقة العرب وتاريخهم وأمجادهم.

إلى متى يبقى العرب والمسلمون يخسرون معركة الصورة والهوية ؟ فها هو يوسف إسلام ورجاء غارودي وزكير نايك وغيرهم من دعاة الإسلام العالميين يطالبون الجميع من عرب ومسلمين للقيام بالواجب والتحكم في آلات صناعة الصورة وتشكيل الوعي – الصناعات الإعلامية والثقافية - حتى يردوا على التزييف والتشويه والتضليل والتلاعب، وحتى يقدمو الصورة الحقيقية عن الدين الحنيف وعن العرب والمسلمين.

المعركة الإعلامية ومعركة الصورة والرأي العام هي معركة العصر ومعركة الألفية الثالثة التي يجب على العرب التحكم في إدارتها بكل حرفية ومنهجية واقتدار حتى لا يتركوا مجالا استراتيجيا ومحوريا ومهما لأعدائهم والمتربصين بهم.

استاذ الاعلام ــ جامعة الشارقة