أظهر الاستفتاء على الدستور العراقي الجديد مرة أخرى ذلك الانقسام التقليدي الذي ظهر بعد التاسع من أبريل في العام 2003 وهو يوم سقوط نظام صدام حسين.
ولا ريب أن هذا الانقسام ليس جديداً على المجتمع العراقي، بل كان موجوداً أيام النظام السابق، إلا أن قوة الدولة الصدامية وجبروتها وأخذها البريء بجريرة المذنب وغيرها من الممارسات القمعية كانت تلجم أي نزعات انقسامية تظهر على السطح.
ولعل أكبر دليل على وجود تلك الانقسامات المبنية على أساس قومي وطائفي في ظل النظام السابق هو ما تلا هزيمته في العام 1991، حيث ثارت المناطق الجنوبية ذات الأكثرية الشيعية، ومناطق الشمال ذات الأغلبية الكردية؛ أما محافظات الوسط فظلت موالية للنظام. واثنتان من تلك المحافظات (الأنبار وصلاح الدين) صوتتا بنسبة تفوق على الثمانين بالمئة بالرفض للدستور، في حين أن أكراد نينوى هم الذين يعود لهم الفضل الأول في ترجيح نتيجة الاستفتاء لصالح الدستور.
بيد أن فضيلة هذا الاستفتاء الأخير أنه سحب جزءاً أساسياً من الجمهور السني للعملية السياسية بعد أن كان مقاطعاً لها. وهو بفعله هذا كاد أن يُسقط الدستور وأصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هدفه. ولعل هذه النتيجة تشجعه في الاستمرار في العملية السياسية إلى نهايتها بالذات أن انتخابات الجمعية الوطنية المزمع إجراؤها في منتصف ديسمبر فرصة لانتخاب جمعية وطنية تمثل خير تمثيل الشعب العراقي بأطيافه المختلفة.
وبالتالي يفتح المجال واسعاً نحو تنقيح الدستور بما يرضى الجميع حسبما اتفقت مختلف القوى العراقية في حوارها قبل الاستفتاء. وهناك مجال واسع في المرحلة المقبلة لتحقيق ذلك الهدف في ظل تغير التحالفات التي ستخوض الانتخابات المقبلة.
فحزب الدعوة الإسلامي قد أعلن رغبته في النزول إلى الانتخابات تحت يافطة حزبه، والشيء نفسه أعلنه الحزب الإسلامي في كردستان، ثالث الأحزاب من حيث الشعبية في تلك المناطق. وأغلب الظن أن قوى مختلفة سنية وشيعية ستدخل في تحالفات كما يحاول رئيس الوزراء السابق إياد علاوي وآخرين عمله.
والأرجح أن هذه الانتخابات ستكون أكثر تنظيماً وستجرى في جو أمني أفضل لأن العراقيين قد كسبوا خبرة في ترتيب مثل تلك العملية، فضلاً عن أنها ستكون أكثر حيادية وأشد في التنافس بين القوى والتنظيمات الحزبية والقوى العشائرية، يدعم ذلك الموقف الحكيم الذي اتخذه المرجع الكبير علي السيستاني من عدم تبنيه لمرشحين معينين ومنعه وكلاء من الترشح للانتخابات.
والحق أن هناك أرضية مشتركة للاتفاق بين الفرقاء العراقيين، ذلك أننا لو استبعدنا البعثيين الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي والذين يحاولون العودة إلى السلطة بأي ثمن حتى ولو أشعلوا نار الحرب الطائفية؛ ولو أبعدنا أيضاً جماعة القاعدة بقيادة الزرقاوي، وهي جماعة تريد أن تقييم دولة إسلامية في بلاد الرافدين على غرار دولة طالبان والشعب العراقي بالطبع يرفض الدولة الدينية شيعية كانت أم سنية، أقول، لو استبعدنا تلك القوتين، فإن باقي التنظيمات والأحزاب والشخصيات يمكن إيجاد القواسم المشتركة بينها، بالذات العربية منها. ولعل رفض الاحتلال على رأسها.
فقد اظهر استطلاع للرأي أجري بطلب من وزارة الدفاع البريطانية ونشرته صحيفة »الصنداى تلجراف« (22/10) أن أكثرية العراقيين يؤيدون الهجمات ضد الجنود البريطانيين. ويكشف الاستطلاع أن 45 بالمئة من العراقيين يؤيدون العمليات ضد قوات التحالف، وترتفع النسبة إلى 65 بالمئة في المناطق الشيعية التي تتواجد فيها القوات البريطانية. وأظهر الاستطلاع أيضاً 82 بالمئة يعارضون بشدة وجود قوات التحالف في العراق، في حين أكد 72 بالمئة منهم أنهم لا يثقون بتلك القوات.
أما في إقليم كردستان فيختلف الوضع كلياً – كما تنشر مجلة النيوزويك الأسبوعية الأميركية 18/ 10 - تحت عنوان ذي معنى »أصدقاء في الجبال« تشير فيه إلى ولع الأكراد وامتنانهم لأصدقائهم الأميركان المحررين.
أظن أن هذا الرفض للمحتل وتواجده على أرض العراق وعدم الثقة فيه وتمنى رحيله في أقرب فرصة من المجتمع العربي في العراق سنته وشيعته يمثل أرضية طيبة للقاء الفريقين لبناء عراق جديد قائم على أسس عصرية بعيدة عن التعصب الديني والمذهبي والشيفونية القومية. ويبدو أن عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية قد تلمس تلك الروح، وخرج من زيارته مغموراً بالتفاؤل رغم إدراكه للصعوبات. وتستطيع الجامعة العربية، المتلكئة في القيام بمسؤولياتها، أن تبنى على موقف عرب العراق هذا، علماً بأن الخلاف يبدو على أشده بين هذين الطرفين.
وتجيء تلك التطورات في وقت قدم فيه رأس النظام السابق للمحاكمة مع بعض من أركان نظامه. والناظر إلى تلك المحاكمة وما فيها من ضمانات للمتهمين يتذكر تلك المحاكمات التي كان يجريها صدام بنفسه لعل أشهرها محاكمة العام 1980 لأقرب رفاقه في الحزب.
وكيف كان صدام الذي كان في عز قوته وسطوته والذي ظهر في تلك المحاكمة وهو يدخن سيجاراً كوبيا، كيف أن الرجل كان ينادي بأسماء رفاقه ليُخونهم أمام الملأ دون أن يكون لهم حق الدفاع عن أنفسهم، ثم يساق هؤلاء من قاعة المحكمة ليلقوا حتفهم في الحال.
ومن سخريات القدر أن أمثال تلك المحاكمة مصورة على الفيديو وكان يوزعها النظام للتباهي بقوته وحزمه!! وعليه، لكي لا تكون محاكمة صدام في العراق الجديد كتلك التي كان يجريها النظام البائد لخصومه فلا بد من إعطاء كل الضمانات ليدافع هؤلاء عن أنفسهم وبالذات حماية هيئة الدفاع عنهم وعدم تكرار مأساة خطف واغتيال المحامي سعدون الجنابي.
مرحلة جديدة تواجه الشعب العراقي بعد إقرار دستوره الجديد وبقاء الانقسام قائماً حوله، مرحلة لا بد من استخدام أقصى درجات الحكمة ليتشارك العراقيون في بناء عراقهم الجديد في ظل انتخابات نزيهة تعكس القوى المختلفة المكونة للشعب العراقي.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com