في الفترة الأخيرة صدمت بخبر ولادة طفلة تعاني من ما يسمى بمتلازمة داون "المنغولية" لإحدى الصديقات، والتفسير الذي قدمه الطبيب المعالج زاد من شعور الصدمة وأضاف لي قلقاً جديداً ما هو متعارف عليه في الساحة العلمية والطبية أن احتمالية ولادة المرأة لطفل "منغولي" تكون كبيرة إذا حبلت في سن متأخرة وكان هذا حبلها الأول، ولكن أن تلد شابة في الثلاثين من عمرها، وهذه ولادتها الرابعة، طفلة "منغولية" فهذه مسألة بحاجة إلى أن نوليها اهتماماً خاصاً.

الطبيب المعالج ذكر حقيقة مرعبة وهى أنه في الفترة الأخيرة ظهرت حالات ولادات "منغولية" متكررة في دولتنا، وبعضها عند فتيات في العشرين من عمرهن، ويرجع الطبيب هذه المسألة، ليس للأسباب التقليدية التي نعرف أنها تسبب هذه الظاهرة، ومنها كبر سن الأم، لأن هذه الأسباب لا تنطبق في ظروف جميع الحالات التي ذكرها، ولكن، وكما قاده اعتقاده، ترجع إلى التعرض لبعض أنواع التلوث البيئي الذي يعمل على تشويه بعض الجينات الوراثية أو إيجاد خلل فيها.

في عالمنا الحديث أصبح التعرض للملوثات مسألة حتمية وجزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ومهما حاولنا حماية أنفسنا من كافة أشكال هذا التلوث نظل عاجزين عن توفير الحماية الكاملة، فنحن لا نستطيع حماية أنفسنا من استنشاق هواء ملوث لأننا لا نستطيع العيش من دون أن نتنفس، كما أننا لا نستطيع اختيار هواء آخر لأن هذا هو الهواء الوحيد الموجود حولنا. وبحكم وجود الكثير من الصناعات ومتطلباتها أصبح الهواء ملوثاً بدرجة أو بأخرى في كل مدن العالم بدون استثناء.

كما أننا مهما حاولنا البحث عن الغذاء الطبيعي المزروع بدون استخدام أسمدة كيميائية أو مبيدات، نظل عاجزين عن توفير كل احتياجاتنا الغذائية المطلوبة، وذلك لندرة مثل هذه المنتجات، وأحياناً لارتفاع أسعارها، أو لتعرضها أحياناً للغش التجاري.

كما إننا لا نضمن نقاء ونوعية المياه التي نشربها، وذلك لأن كل مياه الشرب التي نستخدمها اليوم تابعة لشركات خاصة ولا نعلم مدى التزام تلك الشركات بالمعايير الصحية، مثلما لا نعلم ما إذا ما كانت هذه المياه هي مياه نبع حقيقية، أو أنها مياه بحر محلاة مرت بعمليات معالجة كيميائية مختلفة.

زيادة على ذلك احتمال تعرضنا لما يسمى بالغبار الذري، والذي هو احتمال وارد، بحكم أننا جغرافيا لسنا ببعيدين عن مناطق حروب تستخدم فيها أشكال مختلفة من الأسلحة الذرية والنووية. ففي دراسة قامت بها مؤسسة دراسات الطاقة والبيئة في الولايات المتحدة الأميركية (2002) أكدت أن المناطق الأكثر تضرراً بالغبار الذرى هي تلك المناطق التي تبعد آلاف الأميال عن مناطق استخدامها أو تجربتها.

فعلى سبيل المثال، المناطق الأكثر تضرراً بالتجارب الذرية التي تحصل في صحراء نيفادا هي ولاية نيويورك وميين(Maine)، واللاتي يبعدن عن نيفادا آلاف الأميال؛ كما أن التجارب الذرية في المحيط الهادي تتضرر بها ولايات أميركية مثل كاليفورنيا وأوريجن، وغيرها.

على أية حال، إن صدمتي بخبر ولادة هذه الصديقة، وولادة فتيات أخريات في هذه المرحلة لأطفال مصابين بما يسمى بمتلازمة داون دفعني للبحث ومحاولة معرفة ما هي الأسباب البيئية التي قد تسبب مثل هذه الحالة، وكيف يمكن لنا أن نقي أنفسنا منها؟ في الحقيقة لم أحصل حتى الآن في بحثي هذا إلا على تقرير واحد يربط بين التلوث البيئي وهذا الخلل. هذا التقرير تكلم عن بحث قام به إخصائي غدد صماء يدعى لونل رابابورت يعمل في مؤسسة الطب النفسي في جامعة ويسكونسن ماديسون بالولايات المتحدة الأميركية.

كان لونل يبحث في أسباب هذه الظاهرة، وقد طبق بحثه على مجموعة من المصابين بها في ولاية ويسكونسن وبعض الحالات من الولايات الأخرى، وذلك من أجل المقارنة. لاحظ لونل وهو يدرس هذه الحالات انتشار مرض الكاتراكت (الماء الأبيض في العين) بين من يعانون من هذا الخلل ممن هم فوق العشرين من العمر(حوالي 70% منهم).

ثم اكتشف أن 40% منهم ولدوا في منطقه في ويسكونسن تسمى جرين بي (الخليج الأخضر)، وأن 17.5% من الذين يعانون من الصرع في المؤسسة التي يعمل بها أتوا من نفس المنطقة؛ وأن معظم من يعانون من متلازمة داون ممن ولدوا في تلك المنطقة يعانون من أسنان مبقعة وحالات تسوس للأسنان نادرة الحدوث؛ وأخيراً اكتشف أن نسبة انتشار الماء الأبيض بين المسنين في المنطقة أعلى بكثير، مقارنة بالمدن الأخرى بالولاية.

في سعي لونل لمعرفة، والربط بين هذه الحالات المرضية، افترض احتمالية وجود عامل بيئي مشترك بينهم. حيث أن كل هذه الظروف التي أكتشفها لونل وجهت اهتمامه إلي ضرورة البدء باختبار ماء الشرب في تلك المنطقة. وقد أظهرت نتيجة اختبار الماء وجود نسبة فلورايد عالية في الماء هناك، مقارنة بالمناطق الأخرى في الولاية.

وللتأكد من علاقة الفلورايد بمتلازمة داون، قام لونل بعقد مقارنات بين عينات من المصابين بتلك الحالة من ولايات مختلفة، وقاده بحثه إلى الوقوف على علاقة واضحة بين استخدام الفلورايد وظهور تلك النتائج .

تبعت دراسة لونل دراسة أخرى طبقت على 2000 حالة أخرى في ولاية ميتشيجن، ودراسات مماثله أجريت في كل من ماساتشوستس وأتلانتا تم في هذه الدراسات تجميع العينات وتوزيعها إلى مجموعات بناء على نسبة الفلورايد الطبيعي أو الصناعي الموجودة في ماء الشرب في المناطق التي ولدوا أو عاشوا فيها.

أظهرت نتائج هذه الدراسات أن نسبة حالات "المنغولية"، ونسبة الولادات "المنغولية" بين الأمهات الصغيرات في السن، أكبر في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الفلورايد في ماء الشرب، كما أكدت هذه الدراسات أن كثير من الخصائص الأكلينكية والكيميا/ حيوية التي عادة ما توجد في المنغولية متشابهة مع كثير من خصائص الآثار السمية المزمنة للفلورايد.

إن ظهور ولادة حالات منغولية بين الأمهات الصغيرات في السن في الدولة قضية صحية مقلقة وخطرة. وما يزيد من خطورتها انعدام أو فقر الجانب الطبي البحثي في مؤسساتنا الطبية، فنحن لا يوجد لدينا إدارات طبية مهتمة بالبحث العلمي الطبي تدرس الظواهر المرضية الجديدة، وتتبع التطورات التي تطرأ على بعض الأمراض القديمة، وغيرها.

بناء عليه، تظل حقائق كثيرة غائبة عن ممارساتنا الطبية، وتظل مؤسساتنا عاجزة عن التعامل مع كثير من الحالات المرضية. العالم سبقنا في دراسة، والكشف عن المسببات البيئية لمرض "المنغولية"، كما أنه مهد لنا الطريق للقيام بالمزيد من البحوث والدراسات، وبخاصة تلك المتعلقة بشكل مباشر بمعطياتنا البيئية، فهذه مسألة ضرورية، لأنه ببساطه نتائج تلك الدراسات ليست بالضرورة عالمية أو متطابقة مع كل البيئات.

إن الملوثات البيئية قد تختلف من مكان لآخر، ونتائج تفاعلها مع الجسد الإنساني قد تختلف أيضا من منطقة لأخرى، لذا فإنه حري بنا تناول هذه القضية المجتمعية التي مازالت محدودة والحمد لله بشيء من الجد وتتبع مسبباتها، لأن إغفال التعاطي معها قد يقود لتفاقمها وتحولها إلى ظاهرة صحية واجتماعية ترهق وتهدد كل من الأسرة والمجتمع.

٭ جامعة الإمارات