حبس اللبنانيون أنفاسهم خلال أسابيع، وفي غضون ذلك تحول اسم ديتليف ميليس إلى اسم أليف، كما تحول السؤال عن »التقرير« إلى أمر تقليدي لا يخلو أي حديث منه، كانت المشاعر متضاربة، القلق كان حاضرا بقوة، وكذلك الأمل. قلق ما بعد التقرير وأمل بانفراج محتمل.
ولوحظ، في هذه الفترة، ان الخطاب الرسمي، من الجهات كلها، تميز بنبرة تفاؤلية وتطمينية، وقيل في هذا المجال ان »الحقيقة« وحدها تشفي، وتؤسس للوحدة الوطنية، وتوقف مسلسل الارهاب والاغتيالات، وتشكل سابقة عربية لا يمكن بعدها لاي معارض ان يشعر بالخطر.
قد تكون التقديرات الأخيرة صحيحة، الا ان ما يمكن قوله، بعيد صدور التقرير والكشف عن مضمونه، ان تقرير ميليس قد يكون افتتح أزمة اقليمية جديدة مثلثة الإضلاع: بين الدول الراعية للقرار 1595 وسوريا، بين سوريا والأكثرية الحاكمة في لبنان، وبين الفئات اللبنانية نفسها نتيجة تباين مواقفها حول قضايا داخلية وإقليمية.
ما لا شك فيه ان التقرير يؤسس لمواجهة بين كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جهة وبين سوريا من جهة ثانية. ان من يتابع التعليقات الرسمية التي صدرت على التقرير يلاحظ قيام معسكرين يقول أحدهما ان المحقق الألماني أصاب كبد الحقيقة ويقول الثاني انه جافاها وابتعد عنها واستند إلى معطيات لا هي دقيقة ولا موثقة.
لقد اتهم التقرير مسؤولين سوريين رفيعي المستوى مشرفين على ابرز الأجهزة الامنية باتخاذ القرار باغتيال الرئيس رفيق الحريري، كما اتهم وزارة الخارجية بتضليل التحقيق، واشار إلى ان عملية من هذا النوع لا تحصل من دون تورط يطال الدولة كلها، ومع انه احتفظ للمتهمين ب»قرينة البراءة« فانه عبر عن احباط لعجز لجنة التحقيق عن استجواب الشهود بالشروط التي جرى التوافق عليها مطالبا بإجراء ذلك في دولة اخرى، علما ان بعض هؤلاء الشهود ورد اسمه في معرض الضلوع بالجريمة.
يمكن عند التدقيق، تمييز نوعين من ردود الأفعال، فالولايات المتحدة الأميركية اشادت بالتقرير وشرعت تتحدث عن عقوبات، اما فرنسا، فمع إشادتها بالتقرير، فإنها تتجنب حتى الآن على الأقل، حديث العقوبات.
ويمكن التقدير بان اصواتا اخرى في مجلس الامن تعارض التصعيد خاصة وان التحقيق لم ينته بعد، لذا فان الميل هو إلى تحويل المؤسسة الدولية إلى منبر للضغط على سوريا من اجل ان تتعاون وفق شروط جديدة. وبهذا المعنى ستجد سوريا إمام خيارين أحلاهما مر: اما الرفض والدخول في حالة تمرد على الأمم المتحدة، واما القبول والارتضاء بتوجه كبار قادتها الأمنيين إلى الخارج مع المخاطر المحيطة بذلك.
يفتتح التقرير بهذا المعنى عهدا من التوتر بين سوريا من جهة والدول الغربية الرئيسية من جهة ثانية. ومن المقدر ان يكون »النظام العربي« على الحياد نظرا إلى ما هو منسوب إلى مطلب "التعاون".
لقد سارعت الأكثرية الحاكمة في لبنان إلى التبني الحماسي لتقرير ميليس، وكان حديث سعد رفيق الحريري، وهذا طبيعي، هو الأكثر ارتفاعا والأكثر استعدادا للالتزام بمندرجات التقرير، تلا ذلك بيان صادر عن الحكومة بالمعنى نفسه وذلك في اليوم الذي كانت الخارجية السورية ترد على ميليس وتوجه الانتقادات إلى تقريره.
يتوجب علينا ان نعود بالزمن عقودا إلى الوراء من اجل ان نستذكر حالة كان التناقض فيها صارخا إلى هذا الحد بين الحكومتين اللبنانية والسورية، ان لبنان موجود موضوعيا في صف قوى تخاصم سوريا وهو لا يستطيع التملص من ذلك لان احد عناوين الخصام هو العزم المعلن على معرفة الحقيقة الخاصة باغتيال احد اكبر رجالات لبنان في تاريخه الحديث.
لقد سبق للتأزم اللبناني السوري ان اتخذ، قبل أسابيع، صيغة »إقفال الحدود«، إلا أن الأمور هدأت بعد ذلك قليلا. ولكن مع الاقتراب من موعد صدور التقرير عاد التوتر السياسي الإعلامي ودخل في منعطف جديد طالما ان الحكومة السورية تعتبر ما يجري استهدافا لها والأكثرية اللبنانية تعتبر ما يجري مطلبا لها.
ان أفضل ما يمكن الرهان عليه هو إبقاء التوتر عند مستواه الحالي، والسعي الحثيث لمنعه من ان يتسع ويتصاعد ويأخذ أي بعد امني، الا ان التجربة تعلم ان هذا الرهان كي ينجح، يلزمه قدر من التفاؤل يلامس السذاجة.
كذلك تعلم التجربة ان لبنان ما كان مرة موضع تجاذب اقليمي دولي بهذه الحدة الا وانعكس ذلك على بنيانه الداخلي ولقد أمكن حتى اللحظة إنقاذ مظهر التوافق ولكن أي متابع للوضع يدرك ان نارا تحتدم تحت الرماد، ثمة قوى أساسية في لبنان تربط مصيرها أكثر فأكثر بإضعاف قبضة النظام السوري.
وثمة قوى ترتبط، مصيريا، بإضعاف القبضة الأميركية على المنطقة وبعدم السماح للسياسة الفرنسية الحالية بزيادة نفوذها في لبنان، أي ان عناصر التناقض موجودة ومتعاظمة ولو ان خروجها إلى العلن مؤجل.
قد لا تكون هذه العناوين كلها في ذهن ديتليف ميليس وهو يحقق ثم يكتب تقريره لكن النوايا ليست مهمة هنا. المهم ان هذه الوثيقة قابلة لان تكون نقطة الانطلاق لازمة معقدة جديدة تطال لبنان وسوريا وتضيف جديدا إلى بؤر التوتر في المشرق العربي.
كاتب لبناني