نشأت منظمة »الكوكلوكس كلان« الإرهابية في أعقاب الحرب الأهلية الأميركية (1861- 1865)، حيث ظهرت لأول مرة في ولاية تينيسي الأميركية عام 1865 من خلال مجموعة من ضباط الجيش السابقين، الذين أطلقوا على أنفسهم هذا الإسم من خلال تبنيهم للكلمة اليونانية الأصل Kuklos والتي تعني الحلقة.
كان الهدف من تأسيس هذه المنظمة الإرهابية هو تدمير الحكومة الاتحادية التي نشأت في أعقاب الحرب الأهلية، من خلال العمل أولا على إرهاب المسؤولين الحكوميين من جانب، وبث الرعب بين الأميركيين السود من جانب آخر. ولقد وصلت أعمالهم الإرهابية حدا واسع النطاق تمثل في جلد الضحايا، والإيذاء الجسدي، والقتل والتمثيل بالجثث.
ورغم محاولات الإدارات الأميركية المتعاقبة منع وتحجيم المنظمة إلا أن اللافت للنظر أنها قد أخذت في الانتشار الواسع المدى، وبشكل خاص في أعقاب أية محاولة أميركية لتجسير الفجوة الحادة بين الأقلية السوداء وباقي أفراد المجتمع الأميركي، مثل قانون الحقوق المدنية الصادر في الستينات من القرن الماضي.
ويمكن القول ان المنظمة قد زاد عدد أعضائها بشكل كبير خلال القرن الماضي، إلى الدرجة التي استطاع من خلالها أحد قياديي المنظمة السابقين »ديفيد ديوك« أن يكون نائبا عن ولاية لويزيانا عام 1989، وهو من المناصرين الأشداء »لحركة القوميين البيض« القائمة على استعلاء الجنس الأبيض على كل ماعداه من الأجناس الأخرى.
وعلى مايبدو أن هذا التاريخ العنصري لمنظمة الكوكلوكس كلان القائم على استعلاء الجنس الأبيض ومايصاحب ذلك من امكانية إيذاء الآخر وتشويهه وقتله وحرقه والتمثيل بجثته، مازال يمثل إحدى ركائز الممارسات المعاصرة للأميركيين بعامة، والعسكريين منهم بخاصة.
طفت إلى ذاكرتي أفعال هذه المنظمة الأميركية الإرهابية واسعة الانتشار بعد الأنباء التي تواترت حديثا حول ما اقترفه الجنود الأميركيون ضد عناصر من حركة طالبان، بما في ذلك حرق جثث بعض المقاتلين منهم.
وتبدأ وقائع هذه الأحداث البربرية مطلع الشهر الحالي بعد معركة عسكرية جرت بين عناصر تنتمي إلى حركة طالبان الأفغانية وبين بعض الجنود الأميركيين في قرية جونباز الواقعة شمالي مدينة قندهار جنوب أفغانستان، قتل في أثرها جندي أميركي، إضافة إلى أحد الجنود الأفغان، وعنصرين من عناصر حركة طالبان.
في اليوم التالي، قام الجنود الأميركيون بحرق جثتي عناصر طالبان وهما موجهان صوب الغرب، في دلالة تهكمية واستخفافية على حرقهما وفقا للشريعة الإسلامية وهما موجهان صوب مكة المكرمة. بدت عملية الحرق أقرب لطقوس الكوكلوكس كلان، حيث حرق الجنود الأميركيون الجثتين على ربوة تل في قرية جونباز.
بينما تدلت أيديهما وأقدامهما في الهواء، وكان المشهد مصحوبا بالموسيقى الاحتفالية الصاخبة القادمة من إحدى السيارات العسكرية الأميركية المحيطة بالاحتفال.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى ممارسة طقوس الإذلال المتعمد، والحرب النفسية الهمجية ضد المدنيين الأفغان، والذين تعتقد القوات الأميركية أنهم يأوون عناصر حركة طالبان. حيث بدأ الرقيب جيم بيكر من وحدة الحرب النفسية الأميركية بمهاجمة عناصر طالبان بصوت عالٍ مؤكدا على جبنهم، مشبها إياهم »بالكلاب الجبانة« التي تكر وتفر بدون أن تواجه القوات الأميركية مباشرة في مواجهة عسكرية حقيقية.
ورغم انكار الجنود الأميركيين مسألة الحرق المتعمد لجثث القتلى الأفغان، مدعين أنهم قد قاموا بذلك من أجل الحفاظ على الصحة العامة بعد تحلل الجثث، فإن طقوس الموسيقى، والبيانات المصاحبة لعملية الحرق، والموجهة لحركة طالبان تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على مدى فظاعة البربرية والهمجية التي مارسها الجنود الأميركيون تجاه عناصر حركة طالبان، وتجاه المسلمين وعقائدهم ومقدساتهم، بما يضع مثل هذه الجرائم تحت طائلة جرائم الكراهية المتعمدة، ويضعها أيضا تحت طائلة جرائم الحرب المتعارضة مع معاهدة جنيف الدولية الخاصة بحماية قتلى الحرب، والمؤكدة على ضرورة دفنهم وفق شعائرهم وطقوسهم الدينية إذا ما أمكن ذلك.
من حسن الحظ أن المصور »ستيفان ديبونت« الذي قام بتصوير فيلم احتفالية حرق الجثث الطالبانية، هو أحد الصحافيين الأستراليين المصاحبين للجنود الأميركيين، إضافة للمراسل الأسترالي »جون مارتينكوس« الذي كتب تقريرا حول الفيلم. حيث قامت قناة إس بي إس الأسترالية عبر برنامجها ديتلاين بعرض الفيلم المصور محذرة المشاهدين، وبشكل خاص المسلمين، من فظاعة ما ينطوي عليه من مشاهد مثيرة وعنيفة.
أقول من حسن الحظ، لأنه لوكان المصور ينتمي لإحدى القنوات العربية المسلمة، لتم التشكيك في الفيلم ودوافعه، بل ربما تم توجيه الاتهامات باختلاقه في أحد الأستوديوهات العربية!!
تكشف الاحتفالية الأميركية بحرق جثث عناصر حركة طالبان عن عدة نتائج مهمة: فأولا تبين احتفالية الحرق هذه عن مدى تجذر العدوانية والبربرية في سلوك الإدارة الأميركية بعامة، وبين العسكريين الأميركيين بخاصة.
وفي هذا السياق، يبدو أن ماقام به الجنود الأميركيون من حرق لجثث عناصر طالبان، وسخريتهم من العقيدة الإسلامية، وماقاموا به قبل ذلك في سجن أبوغريب، وفي الفلوجة، وغوانتانامو... إلخ هو امتداد طبيعي ومتواصل لعقلية الكوكلوكس كلان الأميركية في شقيها المدني والعسكري. فأحفاد اليوم يمارسون ويواصلون ما قام به أجدادهم بالأمس، ويضيفون إليه بعض مستجدات التكنولوجيا الأميركية المعاصرة من موسيقى وإعلام وطابع احتفالي استهلاكي!!
ثانيا، كشفت احتفالية الحرق هذه أن ما يصل إلينا من الممارسات البربرية الأميركية حتى الآن أقل بكثير مما نعرفه، وأن الصدف وحدها هى التي تلعب أدوارها في فضح الممارسات البربرية الأميركية أكثر من أى شيء آخر.
وأن استفراد العسكريين الأميركيين بأفغانستان، في مناطق معزولة تماما عن العالم الخارجي يتيح لهم أن يمارسوا ما يشاؤون من احتفالياتهم المجنونة والمريضة بعيدا عن أية مساءلة قانونية يمكن أن تحاكمهم بوصفهم مجرمي حرب.
ويرتبط بتلك الممارسات البربرية، الصلاحيات الواسعة التي تمنحها الإدارة الأميركية لهؤلاء الجنود بالقتل والتدمير والعدوان. ولعل التصريحات العدوانية الأخيرة للسيدة كوندوليزا رايس ضد الشرق الأوسط تمدنا بمثال واضح يكشف عن عمق الصلة بين خطاب الإدارة الأميركية الإستعلائي من جانب وممارسات جنودها البربرية من جانب آخر.
ثالثا، تكشف احتفالية الحرق عن مفارقة تعري بشكل خاص خطاب المتأمركين العرب المدافعين عن حقوق الإنسان، والمتشدقين ليل نهار بترسانة الدفاع عن حقوق الأقليات، ورفض تصرفات وممارسات حركة طالبان، وغيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى، والذين يملأون الدنيا ضجيجا ليل نهار بخطاب الحرية والعدل والإخاء والتسامح.
ففي الوقت الذي تناقلت فيه وسائل الإعلام الغربية احتفالية حرق الجثث الطالبانية، لم نجد أيا من هؤلاء المتأمركين المتشدقين بحقوق الإنسان يتكبد عناء الإشارة إلى هذا الموضوع، ناهيك عن تناوله بالنقد والتحليل!!
لم يع هؤلاء، حتى الآن، أن حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأن احترام وتقديس جثة الإنسان متطلب انساني بغض النظر عن لونه أو دينه أو معتقده. وعلى هؤلاء المتأمركين أن يقرأوا التاريخ الأميركي ذاته حتى يقتنعوا بأنه تاريخ مؤسس على الاغتصاب واحتقار الآخرين وقتلهم بل والاحتفال بحرقهم!!
كاتب مصري، جامعة الإمارات