من جديد يعود الجدل، بين السلطة الفلسطينية وبين الفصائل، إلى حدته حول موضوع التفجيرات الانتحارية وإطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. ومرة أخرى يأخذ خطاب الطرفين، أو بالأحرى التراشق غير المباشر بينهما، شحنة إضافية من التوتر؛ في هذا الخصوص.
السلطة تمانع في اللجوء إلى مثل هذه الوسائل تحت أية ظروف كانت. فذلك يخرب عليها تحركها السياسي لإقامة الدولة والخلاص من الاحتلال. الفصائل، من جهتها، تقول إنها لن تتخلى عن سلاحها وإنها في حالة دفاع عن النفس، بوجه الاحتلال.
هذه اللغة المتبادلة محكومة بالتصعيد، إذا ما بقيت تدور في الدوامة نفسها. لا سيما وأن إسرائيل عازمة على تغذيتها وصب الزيت على نارها ولغاية إشعال الساحة الفلسطينية وضرب مكوناتها بعضها بالبعض الآخر.
حركة الجهاد الإسلامي أعلنت، أول من أمس، عن مسؤوليتها عن تفجير الخضيرة، الذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى إسرائيليين. بررت ذلك بأنه رد على اغتيال إسرائيل لأحد قيادييها؛ قبل أيام.
السلطة سارعت، كالعادة، إلى إدانة العملية؛ على أساس أنها توفر »الذريعة« لإسرائيل كي تقوم بعمليات الاجتياح والاغتيال والحصار. وأنذرت بأنه »لابد من مواجهة أصحاب هذا التصرف بيد من حديد«. ردت إحدى الفصائل ـــ عبر مقابلة صحافية ـــ بأن »السلطة لا تقوى وحدها على مصادرة سلاح الفصائل«.
موقف كلا الطرفين مفهوم. كل واحد له تعليله، المحبوك من حيث المنطق في الظاهر. لكن في الحقيقة فإن الأمور أبعد من ذلك. السلطة لا تريد التشويش والتخريب على تحركها السياسي، الذي ترى أنه السبيل للخلاص من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
الفصائل لا تريد التخلي عن سلاحها. تأتي إسرائيل وتلعب على هذا التناقض من خلال عمليات التصفية لقيادات الفصائل وكوادرها؛ في محاولة واضحة لجر هذه الأخيرة إلى الرد؛ بحيث تسارع إسرائيل إلى مطالبة السلطة والضغط عليها لتجريد الفصائل من سلاحها. يعني لإشعال نار الاقتتال الأهلي بين الفلسطينيين. فهدف إسرائيل واضح وثابت. وبالتالي الدوامة متواصلة.
في الآونة الأخيرة بدأ منسوب التأزيم يرتفع بين الجانبين الفلسطينيين، وتزايد الضغوط المتوقعة من الجانب الإسرائيلي، مرشح لمفاقمة العلاقة بينهما. ولا يبدو أن هناك مخرجاً من الدوران في هذه الحلقة، القاتلة إلا بصياغة برنامج وطني واحد بموافقة الأطراف الفلسطينية الفاعلة على الساحة ومشاركتها كافة. عندئذ يتوحد القرار ومن خلال وحدته يخرج الوضع الفلسطيني من الدوامة ويكون قد نجح في تفويت الفرص على إسرائيل.
فالتهدئة من الجانب الفلسطيني ثبت أنها غير مجدية طالما أن مفتاح ضربها بيد إسرائيل من خلال الاغتيالات المؤدية لا محالة إلى الرد عليها. وحدة البرنامج الوطني مطلب مزمن في الساحة الفلسطينية. واليوم هي أحوج ما تكون إليه.