تعمل إسرائيل دون هوادة إلى دفع الفلسطينيين إلى مواجهة شاملة معها تطيح بأي أمل للسلام، فهي لا ترغب في سلام يجردها من جميع ما اغتصبته وما سرقته من أراض، كما لا تريد سلاماً يضعها على قدم المساواة مع الجانب الآخر من خلال قيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية، فإسرائيل لا تكتفي بسرقة حقوق الآخرين لكنها تنظر باحتقار إليهم عاكسة بذلك ظاهرة شاذة في المجتمع الدولي، ومع ذلك فهي تحظى برعاية غير محدودة من قبل الدولة العظمى ما يشجعها على الاستمرار في هذا المسلك الذي لا يتوافق مع المتعارف عليه بين أطراف المجتمع الدولي.
هذه الاعتداءات الأخيرة في غزة التي تلت موجة من المداهمات والاقتحامات لمدن الضفة تؤكد هذا الإصرار الإسرائيلي على التصعيد، خصوصاً وأن التصعيد إلى جانب تدميره لمؤشرات السلام فإنه يصلح، كما تعتقد إسرائيل، لإفساد العلاقات الفلسطينية الفلسطينية وصولاً إلى حالة قطيعة كاملة بين الفصائل ويعد هذا أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للسياسة الإسرائيلية..
فالهجمات المستمرة في الضفة وغزة ترمي، من بين أشياء عديدة، إلى استدراج مختلف فصائل المقاومة إلى الرد على إسرائيل، وعندها ستعمد إسرائيل إلى استنفار مؤيديها الذين ينتشرون في أنحاء العالم تحت مظلة ورعاية اللوبي الصهيوني المتنفذ في مختلف مفاصل القرار في العواصم المؤثرة، ومن ثم تنفتح أبواب الدعاية منددة بما تقول: إنها جماعات إرهابية تسعى لمحو إسرائيل من الوجود..
وفي الصيغة المترددة بكثرة والمعروفة أنه لا يمكن إقامة سلام مع هكذا فصائل، وأنه بدلاً من ذلك فإن إسرائيل تحث المجتمع الدولي على محاربة هذه الفصائل باعتبارها إرهابية، وذلك في سياق الحرب الكبرى التي يجري شنها على الإرهاب..
ومن المهم في التعاطي مع هذه السياسات الإسرائيلية الملتوية والمخادعة إبعاد الصف الوطني الفلسطيني من الإفرازات الضارة لتلك السياسات، وإقناع إسرائيل بصورة عملية واضحة أن محاولتها لاختراق الصف الوطني الفلسطيني ستبوء بالفشل وأن لا سبيل لها للتسلل بين عناصر هذا الصف وإشعال الفتن بينهم..
وفي سعي السلطة الفلسطينية للوفاء باستحقاقات والتزامات التهدئة، فإنها تجد نفسها وجهاً لوجه أمام التزام الفصائل بالرد على تلك الاستفزازات الإسرائيلية التي تشمل وقائع خطيرة تتمثل في الاغتيالات والاعتقالات وغيرها من صنوف القمع والتنكيل بالعناصر النشطة، ومن ثم يتعين تأكيد التوافق على صيغة للعمل بين السلطة والفصائل تتجاوز تلك التناقضات التي تحاول إسرائيل دفع الجميع إليها.