باتت سوريا أكثر حرجاً بعد نشر تقرير القاضي الألماني ديتلف ميليس، وإشارته إلى تورط بعض قادة الأجهزة الأمنية السورية في جريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان الأسبق.
لكن من الخطأ التقليل من الأوراق القوية التي يملكها لا سيما إذا ما وجدت أنه ليس أمامها من خيار غير الدفاع عن وجودها ضد رياح التغيير بذات الإسلوب الذي شهدناه في العراق.
لقد وجهت كل من واشنطن ولندن وباريس رسالة علنية لدمشق بأن »ساعة الاعترافات الفعلية دقت«، وأعربت عن عزمها في تبني مشروع قرار بالإجماع يطالب سوريا بالتعاون الكامل في التحقيق في اغتيال الحريري.
ولهذا طالبت الدول الثلاث بعقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي على مستوى وزراء الخارجية للبحث في نتائج التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي اتهم دمشق بالتورط في الاغتيال.
وقد شدد سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة جون بولتون على ضرورة التعاون الكامل والحقيقي والفوري من قبل سوريا وأنه لم يعد هناك مجال للعراقيل ولا لإنصاف الإجراءات.
وفي لندن صرح الناطق باسم رئيس الوزراء توني بلير للصحافيين أنه يدعم تماماً الموقف الأميركي بضرورة أن تطبق سوريا إلتزاماتها الدولية تجاه التقرير الدولي، معتبراً أن هذا التقرير خطير للغاية ويحتاج إلى رد حازم للغاية.
أما في باريس فقد قال وزير الخارجية فيليب دوست بلازي إن بلاده تطالب السلطات السورية بالتعاون الكامل مع التحقيق وانه »على سوريا أن تحترم كل قوانين المجتمع الدولي« وإنه في حال عدم التعاون سيكون هناك تبعات.
بالتالي بدت المواقف الثلاثة منسجمة تماماً في ما يتعلق بالتقرير الدولي الذي وجه اتهامات إلى أجهزة الأمن السورية واللبنانية بالضلوع في عملية الاغتيال التي وصفت بأنها "خطيرة جداً".
من جهة أخرى، فقد نشرت صحيفة »الدايلي تيلغراف« تقريراً حول تفاصيل تقرير مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن بشأن تطبيق سوريا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559.
ويستند التقرير الذي حمل عنوان: »مبعوث الأمم المتحدة يزيد الضغوط على سوريا« إلى تسريبات من تقرير لارسن نشرتها صحيفة »هآرتس« الإسرائيلية يتهم فيها سوريا بأنها لم تنه بعد أنشطتها العسكرية والاستخبارية في لبنان، الأمر الذي يعد انتهاكاً صريحاً للقرار 1559.
يبدو أن الإدارة الأميركية قد بدأت باستخدام ما ورد في التقرير الدولي لفرض عقوبات على سوريا عبر مجلس الأمن الدولي، تماماً مثلما فعلت في حالتي ليبيا والعراق، متوقعة أن يرفض النظام السوري، مثلما فعل النظامان الليبي والعراقي، التعاون الكامل مع قرار مجلس الأمن الجديد، الذي تنوي استصداره.
ولكن ما لا تدركه هذه الإدارة أن النظام السوري يعلم جيداً، وبحكم التجربة العملية، أن التعاون، كاملاً كان أو ناقصاً، سيؤدي إلى النتيجة نفسها، أي إسقاط النظام من خلال عقوبات متدرجة تبدأ بالحظر الجوي، وتتطور إلى الحصار الاقتصادي، وتنتهي بضربات عسكرية.
ولكن هل بإمكان الإدارة الأميركية أن تفعل في سوريا ما فعلته في العراق أو ليبيا؟
الحقيقة هي أنه بالرغم من أن الوضع الداخلي السوري يعاني مشاكل عديدة ذات طابع سياسي واجتماعي واقتصادي إلى جانب العزلة العربية والدولية المفروضة منذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
إلا أن أوراق القوة لدى دمشق يجب أن لا تكون غائبة عن صناع السياسة الخارجية في واشنطن ولندن وباريس. ويمكن إيجاز هذه الأوراق في النقاط التالية:
أولاً: لا يوجد بديل قوي للنظام الحالي في دمشق قادر على الإمساك بزمام الأمور، وأن أي ضغط أميركي لفرض عقوبات على سوريا قد يقود إلى تقوية التيارات الدينية المتشددة.
ثانياً: إن انهيار الأوضاع الأمنية في سوريا قد يخلق هلالاً من الفوضى يمتد من العراق إلى البحر الأبيض المتوسط مما سيعزز من تواجد تنظيم القاعدة في بلاد الشام إلى الجوار من إسرائيل الأمر الذي سيقود حتما إلى حالة من اللااستقرار واللاأمن في المنطقة.
وهذا سينعكس بدوره سلباً على جميع دول المنطقة وعلى المصالح الأميركية، وهذا ما لا تريده واشنطن وخاصة في هذه الفترة.
ثالثاً: إن ازدياد ممارسة الضغوط من قبل الإدارة الأميركية وحلفائها سيزيد من عزم دمشق على دعم المقاومة في العراق بشتى الوسائل لممارسة الضغوط المعاكسة على واشنطن.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن التهديد الأميركي والأوروبي لدمشق قد يدفع طهران، التي ستصبح الهدف التالي« لتغيير سياستها في العراق من خلال حلفائها الأقوياء لإحراج قوات التحالف وإضعاف تواجدهم العسكري والسياسي والأمني.
فدمشق لا تزال الحليف القوي لطهران في المنطقة وأن إضعافها أو تغيير النظام فيها سيخلق فراغاً سياسياً واستراتيجياً كبيراً قد لا تتحمل طهران تداعياته لا سيما وأن القوات العسكرية الأميركية تحاصر إيران جغرافياً من عدة اتجاهات.
رابعاً: ثبتت من خلال التجارب السابقة في ليبيا والعراق والسودان، أن العقوبات الأميركية المغلفة بقرارات أممية لا تفرق بين الأنظمة والشعوب، وهذا ما أدى إلي تصاعد الكراهية للسياسات الأميركية في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي، الأمر الذي سيعوق الجهود الأميركية في إحداث التغيير الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط الكبير.
إن الهدف الحقيقي من الحملة الأميركية ضد سوريا هو إجبارها على وقف ما تسميه الإدارة الأميركية دعم دمشق »للإرهاب« في العراق، ولتنهي دعمها للفصائل الفلسطينية وتعزل الجماعات اللبنانية المسلحة في إشارة لحزب الله.
بالمقابل تصر الإدارة الأميركية في تجاهلها لقضايا جوهرية مثل الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان السوري الذي يشكل العنصر الأساسي للسياسة الخارجية السورية من جهة ولشرعية النظام السياسي السوري أمام شعبه من جهة أخرى.
إنه من السابق لأوانه إصدار أحكام متسرعة في تقرير المحقق ميليس الذي لم يمر على إصداره غير عدة أيام. ولكن ما يمكن استـــقراؤه حتى الآن هو وجود حالة من الارتباك والخوف والتردد من قبل سوريا والطرف العربي تبدو مفهومة.
، وحالة من الانقضاض الشرس والاستغلال السياسي من قبل واشنطن وحلفائها تبدو مفهومة أيضاً. ولكن الشيء الذي لا يزال غير مفهوم حتى الآن هو حقيقة ما جرى وما يجري.
وما سيجري ليس في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين وحسب ولكن في باقي الدول العربية التي لم ترفع شعار »لأجل الحقيقة« لمنع تحقيق المشاريع الخارجية في المنطقة العربية. وإلا أين الحقيقة في قضية استشهاد الرئيس عرفات؟
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com