إعلان »المفوضية العليا المستقلة للانتخابات« في العراق عن إقرار الدستور يطوي صفحة من العملية السياسية الجارية، ويفتح أخرى، طبعاً هذه الأخيرة مع مسودة الدستور، كانت مدار خلافات واعتراضات كثيرة.
أطراف مؤثرة قاطعتها أو صوتت ضدها لكن في النهاية مرت حلقاتها الواحدة تلو الأخرى بالرغم من التسليم الواسع بشوائبها وأعطابها، فضلاً عن كونها تتم تحت الاحتلال وفي ظل تأثيراته المباشرة .
وغير المباشرة ليس ذلك فحسب، بل إن هذه العملية، بكل محطاتها جرت على قاعدة الانقسامات العرقية والمذهبية القائمة، والتي تعمقت، خاصة في الاستفتاء الأخير على مشروع الدستور، فالمناطق السنية وقفت بأكثر من 95% من أصواتها ضده، في حين وافقت النسبة ذاتها.
وأكثر من الأكراد والشيعة على المشروع، والجانب السلبي هنا يتمثل في ترسيخ هذا الواقع على الساحة العراقية، فمثل هذه المعادلة تزيد من هشاشة الوضع، وتهدد نسيجه وتماسك تركيبته. لكن في المقابل ثمة جانب إيجابي يمكن أن يقوم بالتعويض وبلعب دور موازن يساعد في تعديل الوضع.
وهو يتمثل بالمشاركة والتي كانت عالية في الاستفتاء الأخير. فبقدر ما تتجذّر هذه الممارسة بقدر ما تصبح هي المرجع والحكم والقاعدة، الأمر الذي يكرس علاقة جديدة يكون صندوق الاقتراع فيها هو الفاصل الحاسم، بدلاً من الاعتبارات والولاءات الأخرى.
لا سيما و أن الوضع في العراق مقبل على استحقاقات حاسمة من هذا النوع، بعد حوالي شهرين، من المقرر إجراء انتخابات برلمانية جديدة لتكوين أول هيئة تشريعية دستورية في البلاد.
منذ أكثر من أربعة عقود، بعد ذلك يقوم البرلمان الجديد بتشكيل لجنة جديدة للبحث في المواد المتفق على تعديلها في الدستور، ثم بعد ذلك يكون العراق على موعد مع استفتاء جديد على التعديلات.
في ظل أول حكومة دستورية يكون قد تم تشكيلها، وهي محطات من شأن المشاركة فيها أن تضفي طابعاً موحداً على الساحة، علاوة على أنها تعزز الرابط المشترك، عبر عملية التصويت ووحدة الموضوع.
المشهد العراقي نازف ومعقد، بل هو مهدد بأكثر من خطر ومصيره في الميزان، وصعوبة لحظته الراهنة لا تكمن في كونه يجتاز مرحلة انتقالية دقيقة وسريعة العطب والانفجار فقط.
بل أيضاً في كون أن واقعه ومكوناته مفتوحة على مختلف الاحتمالات. ومن هنا حاجته إلى وقف التفاقم، أو على الأقل التخفيف من سرعته، وبالتالي من مراكماته السلبية.
وتعزيز العملية السياسية، على كل علاتها في الوقت الراهن وفي ضوء الخيارات المتاحة، ربما كان المسلك السليم للعبور بالوضع من سيئ إلى أقل سوءًا إلى أفضل، في الطريق لاستعادة عافيته، ذلك أن البديل ليس أقل من صب الزيت على نار نحر البلد.