يحق للسيد سعد الحريري أن يقف على درجة عالية من التأهب بعد صدور تقرير ديتليف ميليس، وفي ترقب لحظة الحقيقة الحاسمة بعد أن ذهب والده الشهيد رفيق الحريري ضحية على مذبح الصراعات المستوردة في الساحة الشرق أوسطية.
ومن حق عائلة الحريري أن تلتقط القش الطافي على ظهر الماء السياسي المتحرك في سبيل الوصول إلى شيء من شفاء الروح المنهكة بعد الشهادة المروعة التي ذهب معها الشهيد رفيق الحريري، الذي اختصر في شهادته مسيرة لبنان الجريح "الواقع في مهب الصراعات الدولية".
ولكن، لنفكر بهدوء بعيداً عن العواطف بالرغم من هول ما وقع، فالجريمة التي تمت تستحق البحث والتدقيق دون القاء التهم جزافاً هنا وهناك، ودون البناء المتسرع للنتائج اعتماداً على تقرير مازال منقوصاً وغير مكتمل على حد تعبير صانعه المحقق الدولي الألماني الجنسية.
فالعاصفة التي أثارها التقرير الأولي للمحقق الدولي ديتليف ميليس بشأن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تجاوزت حدود المعقول لتدخل بوابات اللامعقول في قراءة الكثيرين لمضمون التقرير، فيما الطرف الإسرائيلي جالساً على الكرسي الأول على مقاعد المسرح يتفرج باستمتاع إلى فصول من المسرحية الكوميدية بين الطرفين السوري واللبناني.
وعصا المايسترو الأميركي توجه دفة الأداء بكل نجاح ودقة. ومن قلب هذه المعمعة يخرج الساحر ميليس مبهوراً بهذا الضجيج والبروبغندا التي ارتبطت باسمه كصانع »تاريخي للحدث« في ملف العلاقات اللبنانية السورية، وفي ملف الجرح اللبناني النازف منذ العام 1975.
هذه الجمل تأتي .
وقد فقد العقل السياسي العربي بوصلته في معالجة ملف جديد من الملفات الغامضة، وأصاب الانشقاق الحالة العربية من جديد بعد أن كان الملف العراقي طوال السنوات الماضية المنصرمة عنواناً ومطية للتشرذم والتفكك والضعف في الحالة العربية.
وكما كانت كارثة حرب الكويت »عقب غزوها« هزيمة عربية صافية بكاملها، ودفع العرب مجتمعين ثمن الهزيمة اياها بالقبول صاغرين بـ »اشتراطات تسوية اللاتوازن في مدريد« على حد تعبير جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية السابق ومهندس تحضيرات مؤتمر التسوية في مدريد.
وللأسف، وكما يقولون في بلاد الشام »أول الرقص حنجلة«، فقد بدأ »الرقص« السياسي الشعبوي منطلقاً من العقل الثأري في معالجة يفترض بها أن تكون معالجة دقيقة للوصول الى الحقيقة.
خصوصاً وأن تقرير المحقق الدولي العتيد ديتليف ميليس مازال »بالرغم من كل المعلومات والمؤشرات التي قدمها« أشبه بـ »رواية تحمل قصصا وتقديرات وظنونا واحتمالات« وبشبكة واسعة من المشاركين من أطراف مختلفة، لذا فهو »بحاجة الى تفكيك لألغازه« قبل أن يصبح مطية للخراب السياسي.
فهو تقرير لم يصل الى حدوده النهائية »الحاسمة والجازمة« وعليه طالب ميليس بتمديد مهمته بطلب من لبنان الرسمي لمدة عام كامل، بعد أن تباينت التفسيرات بشأن ماورد فيه من معلومات تفتقد للقرائن القاطعة.
ومع هذا، تبقى دمشق متهمة من وجهة نظر »التقرير« المسلح بالغطاء الأميركي والفرنسي، وأمامها الآن، مهمة عاجلة لتقديم تفسيراتها لما ورد في تقرير ميليس بعد أن سلكت خلال الفترة القليلة الماضية طريقاً جيداً في تعاطيها الايجابي مع مطالب لجنة التحقيق الدولية بشخص رئيسها ديتلف مليتس، دون تكبير أو تصغير.
ودون ضجيج اعلامي، خصوصاً مع استغلال البعض من الذين اختصروا التاريخ والملف الطويل لمسار العلاقات المشتركة بين سوريا ولبنان انطلاقاً من موقع المتشنجين والمتأففين من ممارسات سبق .
وأن قامت بها أطراف سورية أو لبنانية محسوبة على سوريا، ومنها أطراف لبنانية باتت في اصطفاف »ثورة الآرز« وفق المصطلح المتواتر بين مجموعات من اللبنانيين.
وعليه، يمكن القول بأن التعاطي السوري الايجابي مع لجنة التحقيق الدولية، مسألة ملحة في هذا الظرف بالذات تجنباً للوقوع في فخ التجربة العراقية أو الليبية، فالتعاطي الايجابي ووضع كل التسهيلات بيد ميليس يولّد مناخات ايجابية.
ويساعد على الوصول إلى الحقيقة، وتجنيب سوريا مفاعيل دولية ضدها، قد تتخذ على مستوى مجلس الأمن بمبادرة فرنسية أميركية مشتركة. فالولايات المتحدة وفرنسا »حسب المصادر الغربية المختلفة« تبلوران مشروع قرار في مجلس الأمن يسمح بفرض العقوبات على سوريا.
وسيرفع الاقتراح خلال الفترة القريبة بموجب »المادة السابعة« من ميثاق الأمم المتحدة، وهذه المادة تسمح بفرض عقوبات على دولة من الدول الأعضاء في المجموعة الدولية.
كاتب فلسطيني ـــ دمشق