النتائج المأساوية التي واجهتها الجيوش الغربية أمام قوات أقل عدة وعددا وتجهيزا أصابت شعوب وحكومات الغرب بالاحباط والخوف من مستقبل المواجهة، وخلال الحرب الباردة كان لدى العواصم الغربية شبه يقين بأن النصر حليفها في أية معركة مقبلة.

ولربما على هذا الاساس غامر اليمينيون الجدد باتخاذ قرار غزو افغانستان ثم العراق، لكن الخسائر الفادحة التي ما زال يتكبدها الجيش الاميركي افضل جيوش العالم اليوم اثبتت خطأ النظريات العسكرية السابقة واستلزمت تجريب آليات اخرى كفرض عقوبات طويلة المدى على الخصوم وتجنيد اجهزة الامم المتحدة لحشد الموافقة لمثل هذه الآليات ولو بالضغط والترهيب.

وتأتي الضغوط الممارسة على سوريا حاليا بعد ظهور تقرير ميليس الى الوجود لتصب في هذا الاتجاه، فقد بادرت واشنطن بمجرد ظهور التقرير بالتنسيق مع بريطانيا لتوجيه مجلس الامن لاتخاذ عقوبات ضد دمشق حتى قبل اكتمال الاجراءات القضائية باعتبار ان تقرير ميليس هو مجرد ادعاء لم يتم تمحيصه بعد.

ولم يقدم ادلة قاطعة او وقائع محددة وعمد إلى خلط اوراق كثيرة وادخل عنوة القضية الفلسطينية إلى قلب الحدث لتكمل الخدمة المتوخاة التي تريد الادارة الاميركية تقديمها لاسرائيل من خلال الضغط على الثلاثي المزعج لقادة دولة الاحتلال سوريا ولبنان والمقاومة الفلسطينية).

ونؤكد ان سوريا لو أبدت استعدادا للتنازل لاسرائيل عن جزء من الجولان المحيط ببحيرة طبرية ووافق لبنان على تفكيك حزب الله وطرد اللاجئين الفلسطينيين لما وصلت الامور الى هذا التشدد في ملف ميليس.

إن العرب هم اولى الناس بمعرفة الحقيقة في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، ومن دواعي ارتياحهم ان تتدخل اجهزة دولية لمساعدتهم في اماطة اللثام عن مدبري مثل هذه الاعمال الوحشية بحق قادة مخلصين لقضايا بلدانهم وأمتهم كرفيق الحريري.

لكن تظل هناك علامات استفهام حول تعجيل واشنطن بطلب فرض عقوبات على سوريا، واذا كان العقاب هو المستهدف الى هذا الحد فلماذا يتم التمديد للجنة ميليس والتأكيد على استمرارها في عملها؟ وماذا ستعمل ما دامت قد اشارت بشكل عشوائي الى قادة بل رؤساء في لبنان وسوريا على انهم ضالعون في عملية الاغتيال.

إن من المؤسف ان تلجأ دول ترفع لواء الديمقراطية الى مثل هذه العشوائية في الاحكام لتستتر خلفها وتصادر مطالب شعوبها بالاعتدال في التعامل على المسرح الدولي وفي نفس الوقت مواجهة مشاكل شعوبها الداخلية في نفس الوقت بشفافية اكبر.

لقد قال ميليس امس امام مجلس الامن ان التحقيق لم يكتمل بعد ومع ذلك قفزت واشنطن على هذه الحقائق وصنعت لنفسها استنتاجات خاصة لخدمة اسرائيل بكل وضوح وقد حدد بوش امس اسباب طلب الضغط على سوريا بالقول انها تمنح الجماعات الفلسطينية (الارهابية) المأوى الآمن.

ان واشنطن ليست طرفا محايدا في اية قضية متعلقة بالشرق الاوسط لأنها تتبنى المنهج الاسرائيلي في كل ملف، فنعت الفصائل الفلسطينية بأنها ارهابية هو منهج اسرائيلي يتنافى مع حق الشعوب في المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الغاشم أيا كان مصدره.

إن خلط قضية اغتيال الحريري بمصالح اسرائيل هو سلوك معيب لابد ان يتم كشفه وتعريته لمنع اسرائيل من الاستفادة من كل مصائب العرب وتوجيهها لمصلحتها كما يحدث الآن.