دائماً أقول بأن هيئة المملكة العربية السعودية أكبر من صوتها، وان إنجازاتها أعلى من تصريحاتها، وأن محتواها أسمى من بياناتها، وأردد هذا التفكير من خبرة المعايشة والمعرفة ومتابعة الشأن السعودي.

ولذلك فقد سعدت كثيراً في المقابلة التي تفضل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بمنحها للمذيعة الأميركية المشهورة »باربرة والترز«، التي أعرفها جيداً.

ورغم قيود الوقت فإن الملك عبدالله قدم أجوبة متعددة لجميع الأسئلة التي طرحتها القناة الأميركية، واختار الملك نهج الإجابات القصيرة الشافية التي يستذوقها المشاهد الأميركي الذي لا يتفاعل مع أطروحات التنظير والتحليلات الطويلة.وأود أن أبدي بعض الملاحظات المستخلصة من المقابلة، والنابعة من معايشة لأكثر من اثنتي عشرة سنة في الرياض:

أولاً: يؤمن الملك عبدالله من خلال الأجوبة ومن خلال القرارات التي اتخذها، بضرورة التناغم مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجتاح الكون بسبب تداخل المصالح وبسبب ثورة الاتصالات، واختزال المسافات، وترجمة لذلك الإيمان بالسعي نحو الانفتاح، فقد حدد الملك الأسلوب الذي تتبناه المملكة في تحقيق الاستراتيجية التي رسمها.

وهو الأسلوب الذي جاء واضحاً في الرد على النقاط التي أثارتها المذيعة الأميركية عن الشأن النسائي في المملكة، مثل حق إزالة القيود على قيادة السيارة وحقوق المرأة في التصويت في الانتخابات ويرد الملك بالآتي:

"أعتقد بأن كل شيء يتغير ولكنه يحتاج الى وقت، شعبنا بدأ للتو ينفتح على العالم، واعتقد بأنه بمرور الأيام في المستقبل كل شيء ممكن«.

وفي ذلك الجواب موقف محدد بأن لا توجد حواجز دائمة .

وإنما تحقيق الخطة يأتي مع التدرج وفق قدرة الشعب على التقبل والتفاعل الايجابي، والملك هنا واضح ــ ودون غموض ويقول: »أنني أقدر وأهتم بشعبي كما أهتم بعيوني، وأحترم شعبي ومن المستحيل أن أعمل أي شيء غير مقبول من شعبي".

وتزداد مشاعر الانسجام مع ما يريده الشعب في الرد على السؤال عن إلغاء تقبيل الأيادي فيقول: »أنا أكره مثل هذه الأمور، لأني أعتقد بأن الإنسان يجب ألا ينحني سوى لربه ولا ينحني لأي بشر« في رد شاف في تعظيم آدمية الإنسان وحماية هيبته.

ثانيا: يتحدث الملك في السياسة، في أربع قضايا مهمة: العلاقات مع واشنطن، الإرهاب، النفط، والعلاقات مع إيران.

ويمارس الملك أسلوب الصراحة والوضوح، فيقول: »بأن مسك الأيادي بين القيادات هو تعبير عن الصداقة والوفاء نفعل ذلك مع الأشخاص الذين نعزهم والرئيس بوش صديق أعتز بصداقته« ويضيف الملك ــ لتهدئة المذيعة ــ قائلاً:

»بأن الشعب السعودي لديه بعض الخلافات مع الولايات المتحدة خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل القضية الفلسطينية، والحرب في أفغانستان والحرب في العراق، واعتقد بأن هذا قد أثر على الرأي العام السعودي تجاه الولايات المتحدة.

ما نطلبه هو ان تسود العدالة والمساواة بين كافة الجماعات العرقية في العراق، نحن نعتقد بأن العراق هو بلد واحد يعيش فيه الناس بسلام وعدل«.

ويحدد الملك سياسة المملكة تجاه العراق »المملكة حتى اليوم لم تتدخل في شؤون العراق.

لأننا لا نريد أن نعرض أنفسنا لاتهامات بأن لنا يداً في تفتيت العراق، لقد اتهمنا في السابق بأنه كانت لنا يد في ما حدث في العراق، خاصة فيما يتعلق بالعنف وبالإرهاب، ونحن براء من هذه الاتهامات، وقد ظللنا على الحياد على الرغم من الظلم الذي يحدث الآن«.

ونستخلص من هذا الجواب حول العراق, بأن الملك يريد ان تكون صيغة العراق مقبولة من الجميع وان لا يعمق الوضع الجديد مخاوف السنة ولا تستفيد قوى خارجية من مأساة العراق .

ولذلك سعت المملكة الى اجتماع في اللجنة العربية المكلفة بمتابعة الشأن العراقي في مدينة جدة وتم الاتفاق فيه على ايفاد الامين العام للمساعدة في التوصل الى توافق بين جميع الطوائف حول صيغة المستقبل.

ثالثا: ينتقل الملك في لقائه الى الدبلوماسية السعودية النفطية بعدما اشارت المذيعة بان الرابط الحقيقي بين البلدين هو البترول وتشير ايضا الى قلق الشعب الاميركي من ارتفاع الاسعار ويحدد الملك في اجابته استراتيجية المملكة في دبلوماسية النفط حين يقول:

ان المملكة تحاول زيادة الانتاج والخطة هي رفع الانتاج الى اثني عشر مليون برميل يوميا خلال السنوات الاربع المقبلة بعد ان وصل الانتاج الى عشرة ملايين والمملكة لا تقبل الزيادة في الاسعار مع انها استفادت ماديا الا ان الضرر كان كبيرا على الدول الاخرى ولا نعتقد ان الاسعار يجب ان تكون في هذه المستويات وعند المملكة الاحتياطي يكفي لتوفير الامدادات الاكثر من 60 الى 70 سنة.

وفي هذا الجواب المبسط يكشف الملك عن الاستراتيجية السعودية التي تدرك بان الذي يملك النفط عليه ان يتصرف بمسؤولية عالية تجاه الاقتصاد العالمي وعليه ان يدرك ان النفط سلعة استراتيجية يحرص العالم على توفرها ولا تخضع للمزاجية القيادية ولا للتقلبات السياسية.

رابعا: يتحدث الملك عن العلاقات مع ايران فيقول: ايران دولة صديقة مسلمة نأمل ان لا تصبح عقبة في وجه الامن والسلام في العراق هذا ما نأمله وهذا ما نعتقد بان العراقيين يأملون فيه.

هناك قلق سعودي من التدخلات الايرانية جاءت بشكل مكبر وموسع في تصريحات الامير سعود الفيصل وزير الخارجية في حديثه في واشنطن وفي تكساس وفي جدة مع اللجنة العربية وفي الاجتماع الاخير وهو العامل الاساسي في قرار اللجنة بايفاد الامين العام الى بغداد للمساعدة في كتابة صيغة الوفاق الوطني العراقي.

ويجيب الملك على المساعي الايرانية للحصول على السلاح النووي »المملكة مثل دول العالم ومثل دول المنطقة تحرم الاسلحة النووية في كل بلد في انحاء العالم وخاصة الشرق الاوسط .

وارجو ان تمنع هذه الاسلحة من ايران وغير ايران«.وفي هذا المجال اتمنى ان يكون موقف دول مجلس التعاون اقوى وصوتها اعلى ونغمتها واحدة في رفض المساعي لامتلاك السلاح النووي.

ويتحدث الملك عبدالله عن الارهاب في نبرة الاصرار على مواصلة المواجهة متعهدا بان يواصل القضاء على تنظيم القاعدة »حتى ولو استغرقت المعركة ضده عقودا من الزمن« واصفا التنظيم بانه من عمل الشيطان.عندي شخصيا ثلاث تمنيات بسيطة اشعر بضرورة متابعتها من قبل المسؤولين في المملكة.

اولها: ضروة الاكثار من التحاور مع المؤسسات الاعلامية العالمية من قبل المسؤولين في المملكة والتناغم مع موجة الاعلام الكاسحة لاهمية دورها في تعريف العالم بالفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمنظومة الحكم في المملكة .

وذلك يعود لمكانة المملكة العالية واهمية التثقيف والتنوير في رفع هذه المكانة.ثانيها: الدفع بالكفاءات السعودية للمشاركة في المؤتمرات والندوات والمناظرات العربية والعالمية .

وتشجيع الكفاءات التي تملكها المملكة وهي كثيرة جدا وتطمينهم بأهمية المبادرة واهمية التحاور والمشاركة في المداخلات وتقديم اوراق العمل.ولا اتجاوز الواقع عندما اقول بان مشاركة الكفاءات السعودية في المؤتمرات لا ترقى الى مكانتها المعروفة مع ارسال وفود متواصلة لترسيخ الحوار.

وثالثها: النظر بايجابية لاهمية زيارة رجال الاعلام والمفكرين والصحافيين ورجال الاعمال الى المملكة وتوفير سهولة الوصول باجراءات التأشيرة للدور المميز لهذه الزيارات في التعرف على واقع المملكة وانجازاتها.هناك الكثير من الانجاز والكثير من الاعتزاز به وتبقى حيوية الاجراءات ودورها لتقديم هذا السجل الحافل للرأي العام العالمي.

رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية – الكويت