نستكمل هنا ما بدأناه من حديث عن التأثيرات التي تحدثها تجربة المشاهدة التلفزيونية في الأطفال وما يترتب على هذه التأثيرات من نتائج تتجاوز الطفل إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع والمستقبل، وتمتد من الأسر الحالية إلى أسر سيكتب لها وجود في بنية المجتمع بعد سنوات، فهؤلاء الأطفال سيصبحون آباء فيما بعد.
وسينقلون ما توارثوه من عادات وما اكتسبوه من خبرات إلى أبنائهم الذين سيكونون في وضع المتلقي القابل للتشكل ــ في كثير من جوانب حياتهم ــ وفق ما يتلقونه عن آبائهم وما يلمسونه فيهم من مواقف معلنة أو غير معلنة من الحياة والقيم والأولويات.
ولعل الحديث عن مزاحمة التلفزيون للكتاب في حياة أبنائنا يأتي في مقدمة التأثيرات السلبية التي يجمع عليها الباحثون وأولياء الأمور والمهتمون بشؤون الطفولة، فلا شك أنّ التلفزيون قد تفوق على القراءة تفوقاً عظيماً وزاحمها حتى أصبحت وجودا باهتا منسيا يكاد يتلاشى وينعدم.
ولا يقتصر تأثير التلفزيون على إقصاء الكتاب ولكنه يطال قدرة الأطفال على التركيز والتفكير والتخيل؛ لأن الصورة المقروءة تحتاج أن نبذل لها جهدا فنخلق صورنا الخاصة بنا حين نقرأ معتمدين على تجاربنا وخبراتنا الشخصية وخيالنا.
إنه الجانب الخلاق في القراءة الذي يطلق العنان لإبداع الفرد في صناعة تلفزيونه الخاص. أما الصورة المرئية فتحاصرنا وتخنق إبداعنا وتفرض علينا ما تشكله هي وحدها.
وقد نشأ عن ذلك ما يعرف الآن في أوساط التربويين بمصطلح »القارئ الكسول«، إنه القارئ الذي يقرأ ولكنه لا يقرأ، إنه لا يبذل الجهد المطلوب من التركيز لفهم ما يقرأ.
وهذا أمر يشيع الآن بين غالبية طلبتنا بشكل يدعو إلى الفزع؛ فهم يقرؤون النص فإذا سئلوا فيه واجهوك بنظرات زائغة تنبئ عن ضحالة عملية القراءة التي يمارسونها وسطحية الجهد المبذول في التعامل مع الكلمة المقروءة.
إن التركيز والتأمل مهارتان تتطلبان قدراً عالياً من الممارسة ولكن أطفال التلفزيون تعجز إمكاناتهم عن أن تمدهم بالقدر اليسير من هاتين المهارتين الأساسيتين؛ فالتلفزيون يجعلك تلقي نظرة عابرة على الصفحة كما تفعل وأنت تشاهده وهذا شيء يغاير كثيرا فعل القراءة.
إن أطفال التلفزيون يسجلون عجزا كبيرا في التكيف مع التجارب غير البصرية ويأتي أداؤهم فيها أضعف بكثير من قرنائهم الذين قضوا طفولتهم في مأمن من الأثر المسيطر الممتد للصورة المرئية التي تطل عليهم من نافذة التلفزيون.
وإن كانت القراءة في تصور كثير من الناس كبيرة على الأطفال فلا يعقل أن نطالبهم بها وهم يستقبلون الحياة بقلب غضّ وروح شفافة طليقة فإن اللعب وهو من صميم حياتهم .
وجزء أساسي من تكوينهم الشخصي والعاطفي قد خسر المعركة أيضا مع التلفزيون؛ فلو أننا سألنا الأمهات ماذا تتوقعن أن يفعل الطفل خلال يومه لو لم يكن هناك تلفزيون؟ فستؤكد معظم الإجابات أنّ الأطفال سيقضون وقتهم في اللعب.
وهذا مؤشر يشير إلى استحواذ التلفزيون على حياة الأطفال في عصرنا الحاضر. فقد غاب اللعب من حياة أطفالنا. ونظرة تقارن بينهم وبيننا حين كنا أطفالا تشعرك بالخسارة الكبيرة التي يخسرونها في طفولتهم وهم ينأون شيئا فشيئا عن عالم اللعب الجميل.
ولا يقتصر تأثير التلفزيون على تقليل وقت اللعب في حياة الصغار بل هناك مؤشرات ودلائل تؤكد أن تأثيره يمتد إلى نوعية الألعاب التي يميلون إليها وإلى موقفهم من اللعب عامة.
والمشاعر التي تكتنفهم أثناء اللعب؛ فقد أصبح الأطفال لا يميلون إلى الألعاب التي تتطلب جهدا، ومعظمهم يصيبهم الضجر، بل إنّ الأطفال اليوم فقدوا القدرة على أن يلعبوا وحدهم وينسجوا في خيالهم قصصا يمارسون فيها دور البطل أو البطلة.
ولا ينكر أحد منا دور اللعب في حياة الأطفال وأثره العميق في نفوسهم وأرواحهم وفي نقل معارف كثيرة إليهم، وتكوين سلوكيات مهمة في حياتهم اجتماعيا.
ولكن الحرمان من اللعب الذي أصبح ظاهرة في حياة طفولة هذا الزمن حفر عميقا في وجدانهم فأصبحوا أكثر ميلا للعدوانية، وأقل قدرة على التكيف الاجتماعي مع الآخرين، بل إن كثيرين منهم يعانون من أعراض الاكتئاب والقلق.
لقد ملئت فجوة الزمن في حياة أطفالنا بما يقدمه التلفزيون لهم، ورضي الكثير منا بتهميش نفسه في حياة أطفاله لأن هذا يكفل له إنجاز أعماله وتحقيق القدر المطلوب من الراحة والهدوء.
ولكن يوجد في المقابل أسر تحاول جادة أن تعيد لأبنائها بهجة الحياة بعيدا عن هذا الجهاز، فأصبحنا نسمع عن الرحلات العائلية، والعشاء العائلي، بل إن بعض الأسر بدأت تطبق ما يسمى بمؤتمر الأسرة وهو لقاء أسبوعي يجتمع فيه كل أفراد الأسرة للحوار بحرية وصدق.
هناك تجارب أخرى تعكس إحساس الكثيرين من أولياء الأمور بضرورة اختزال الوقت الذي يمضيه أبناؤهم أمام التلفزيون. ولكن التلفزيون مع ذلك ليس شرا كله؛ فالطفل المشغول بمشاهدة التلفزيون يبتعد حقا عن أنشطة أساسية مثل القراءة واللعب والحوار.
ولكنه يستطيع أن يكتسب خبرات أخرى إذا أحسنا اختيار البرامج التي يمكن أن يتابعها، وإذا وضعنا حدودا للوقت الذي يقضيه أمام التلفزيون، وإذا أعطيناه بدائل أخرى مفيدة وممتعة تخرجه من أسر هذا الجهاز وتغني حياته بالتنوع.
وإذا أبدينا استعدادا صادقا أن نشاركه – أحيانا- تجربة المشاهدة، فلا أسعد من طفل يجد أباه أو أمه أو أحد أفراد أسرته يجلس بجواره يتابع معه أحد البرامج أو الأفلام.
ويشاركه التفاعل معها إن حزنا أو فرحا، ثم يشاركه الحوار حولها، فتنفتح أمام هذا الصغير نوافذ كثيرة من التفكير والتحليل والتأمل، فلا يبقى أسيرا لنافذة التلفزيون وحدها.
كم سيكون جميلا أن يجد هذا الصغير أنّ ما يشاهده على الشاشة قد قربه من أحب الناس إليه! وكم هو مؤلم حقا أن ينشأ الأطفال وهم لا يجدون من يلوذون إليه حين يشعرون بالملل أو الضجر إلا جهازا بلا عاطفة أو دفء أو حنان!
جامعة الإمارات