توجد في الفلسفة مدرستان، احداهما تقول بالثبات، وثانيهما تقول بالتغيير. الأولى هي مدرسة »بارمنيدس« التي تقول ان طبيعة الكون هي الثبات، على عكس المدرسة الثانية على رأسها"هيراقتليطس" الذي يقول بالحركة.

والتغير في كل شيء، فالحركة الدائمة والتغير المستمر هما الطابع الأساسي للوجود، فكل شيء يسير ولا شيء يبقى. والناس لا ينزلون إلى نفس النهر مرتين لأن مياهه تتجدد في كل لحظة في طريقها من المنبع إلى المصب.

ويمكن القول أن الفلسفة الأولى يتبناها كثير من الحكام العرب والحكومات العربية، الذين يرون في ثبات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفضيلة المثلى التي تحقق غايتهم الكبرى وهي البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة!

أما الفلسفة الثانية فتتبناها دول العالم المتقدم والمتطور التي تنظر إلى فكرة التغيير ذاتها باعتبارها واحدة من العلامات الديناميكية للنظام السياسي، لأن التغيير يعطي الأمة والنظام حيوية دائمة.

فالتغيير المستمر يسمح بظهور المواهب، ويحرك المياه الراكدة، ويجدد ماء المجتمع بالأفكار الاصلاحية والتطورية، ويعطي الدولة طاقات للمراجعة والتقييم لم تكن لتتوافر إذا بقيت الأوضاع دائماً على ما هي عليه.

إن التغيير يكفل التأقلم مع الزمن وما يجري فيه من تغيرات، فإذا كان الناس لا ينزلون الى نفس نهر مرتين لأن مياهه تتجدد في كل لحظة في طريقها من المنبع إلى المصب، فإن القيادات السياسية لا تتعامل فقط مع مياه متجددة تتغير سرعاتها بتغير الفصول، ولكن عليها أن تتعامل مع الفصول نفسها بما فيها من رياح وعواصف وأجيال جديدة.

ولنأخذ مثالاً على ما نقول دولة من دول العالم المتقدم، ولتكن أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة الأميركية، ولنسأل أنفسنا ما أسباب الغنى الأميركي وما سر القوة الأميركية؟

يوجد اختلاف بين الناظرين في الشأن الأميركي، فبعضهم يقول انها الرأسمالية في حالتها النقية مع ضعف الحركات العمالية، بينما يقول البعض انها القدرة على الاختراع التي تجمعت من مجتمعات شتى، ويقول البعض الآخر إن القارة المتسعة بمواردها الهائلة هي السبب وقال آخرون انها مجتمعات المهاجرين وما فيها من طاقة على العمل.

وفي اعتقادي ورأي آخرين ان كل هذه الاسباب مجتمعة قد تكون صحيحة، لكنها وحدها لا تكفي، فلابد من وجود شرط ضرورية معها هو التغيير المستمر، فالتغيير هو محرك هذه العوامل جميعاً.

فالدستور الأميركي يقدس فكرة التغيير، ويرفض فكرة الثبات، وعندما يأتي نفس الرئيس الأميركي لولاية ثانية، فإنه لا يبقي على نفس أفراد حكومته، بل يجري تغييرات جوهرية في إدارته، رغبة في تغيير الدماء.

ولتغيير ملامح النظام، لاعطاء دفعة للعمل السياسي والاقتصادي، هذا رغم نجاح الطاقم الأول في الولاية الأولى، ورغم أن الطاقم القديم هو الذي أوصله للحكم لولاية ثانية.

وإذا نظرنا في آخر حالة للتغيير في الولايات المتحدة الأميركية، نجد أن »بوش« الابن قد أعيد انتخابه، لكنه قام بالتغيير في طاقم رجاله وحكومته. ومن ملامح هذا التغيير استغناؤه عن »كولن باول« وزير خارجيته، وذلك ــ كما يقول بعض المحللين السياسيين ــ لأسباب بعضها شخصي.

فهو لم يعد في حاجة إلى »باول« لكي يضيف له بعضاً من التأييد بين تيار الوسط من الجمهوريين، ولكن أكثر أسباب التغيير يرتبط بأن فضيلة التغيير المستمر هي أفضل الفضائل الأميركية.

هذه الفضيلة تدعو الناس إلى تحقيق الانجاز في توقيتاته المحددة دون انتظار لسنوات طويلة من التجربة والخطأ، واللاعمل على الاطلاق، كما انها تمنع وجود أنواع مختلفة من الكهنة نتيجة البقاء في الموقع لسنوات طويلة، وبالتأكيد فإنها توفر عملية سريعة لنقل الخبرة.

وبدلاً من البقاء لفترات طويلة لتقديم خبرة لا يمكن الاستغناء عنها، فإن الأفضل دائماً أن يكفل النظام نقل الخبرة دون انتظار من خلال ذاكرة جمعية تسجلها وتقننها وتنقلها من جيل لآخر.

وربما كانت هذه هي الحكمة من اختيار »كونداليزا رايس« وغيرها من المعاونين الجدد في مجلس الأمن القومي ووزارة العدل ووزارة الأمن الداخلي والعديد من مناصب وكالة المخابرات المركزية.

صحيح أن »بوش« حاول في تغييراته تحقيق درجة أعلى من الانسجام الفكري، وحتى النفسي، داخل إدارته، إلا أنه من جانب آخر قد أحضر من المعاونين الجدد من يعتقد أنهم قادرون على التعامل مع نتائج سياسته خلال فترته الأولى.

فالسياسة الأميركية تؤمن بأهمية التغيير في المواقع، وفي الأشخاص، وفي الأفكار أيضاً، وهذا ما كان وراء التغيير في منصب وزير الخارجية وفي غيره من مناصب الحكومة.

وربما يرى بعضنا أن تعيين "رايس" في منصب وزير الخارجية الأميركي لا يشكل جديداً، وأنها كانت تقوم بعمل مشابه من خلال منصبها كمستشارة للرئيس للأمن القومي، ولكن من يقول بذلك لا يعرف الفرق بين المنصبين، فالمستشارة كانت مهمتها التنسيق، أما وزيرة الخارجية فهي تشارك في صنع السياسة.

فلنعد إلى الشأن العربي، حيث من المعروف أن التغيير كما بات معروفاً لنا جميعاً يعد مسألة بالغة الصعوبة نظراً لاعتبارات عديدة وحساسيات مختلفة التي على القيادة ان تأخذها في الحسبان عندما تقرر أمراً ما.

وأصبح تقليدياً القول ان صانع القرار ــ كما يلاحظ المحللون القريبون من السلطة في بلدان عربية كثيرة ــ يشعر بوحدة قاسية عند القمة السياسية عندما يصير عليه أن يوازن بين أثقال شتى.

وترجيحات متعددة، لكي يصل في النهاية إلى خطوة سرعان ما يكون لها عند التطبيق آلياتها الخاصة ونتائجها التي لم تطرق على ذهن أحد منم المستشارين والمعاونين.

وعندما يكون القرار مصيرياً، ومرتبطاً بحالة الحرب والسلم، فإن الأعباء تطاول الجبال على كامل القيادة السياسية، أما اذا كان القرار مرتبطاً بتغييرات سياسية أوا قتصادية جوهرية في النظام السياسي وفي طرائق الحكم وفي الحياة الاقتصادية فإن عبء المسؤولية يصبح هائلاً لا يطيقه إلا صفوة من القادة الذين اصطفاهم الله لموعد مع القدر.

او نجح النظام السياسي في إعدادهم لهذه اللحظة الصعبة. ولعل ذلك في البداية والنهاية هو جوهر ما اصطلح على تسميته »السياسة« التي هي في مسارها العملي عملية اختيار ما بين ما ينبغي تغييره.

وما ينبغي الحفاظ عليه، فإذا كان التغيير سوف يقود إلى التقدم وما هو أفضل للمجتمع والدولة فإنه يصبح مطلوبا وواجباً، أما إذا كان التغيير سوف يقود إلى عدم الاستقرار والفوضى فإن الحفاظ على الأمر الواقع يصبح فضيلة.

هذه المعاملة الصعبة لم تلق نصيبها من الحوار والمناقشة في »دولتنا الاتحادية« رغم أنها هي جوهر حركة التقدم والتطور. وقبل أن نصل إليها فربما يجدر بنا أن نقضي بعض الوقت في مناقشة أبعاد عملية التغيير.

وسوف نضرب مثلاً يعرفه الجميع وهو قرار تغيير لاعبي كرة القدم أثناء سير المباراة والتي عادة ما نقيم على اساسه كفاءة المدرب وحكمته وقدرته على الفوز، فإذا ما هزم فإنه سوف يلام لأن قراراته بالتغيير لم تكن في محلها.

وقد اعتدنا أن نأخذ حالة كرة القدم ليس فقط لشعبيتها، وانما لأنها تمثل حالة صافية لمجتمعات في وضع تنافسي ــ لمباراة ــ يقوم أساساً على أعلى مراتب الكفاءة والموهبة الممكنة.

وهنا فإن صانع القرار هو المدرب أو المقابل الموضوعي للقائد السياسي، وموضوع القرار هو اجراء التغييرات في الفريق الذي يمثل موضوعيا المجتمع، وهدف القرار .

هو الفوز في معظم الأحوال، أو تجنب الهزيمة إذا كانت موازين القوى لا تسمح بالفوز، وما يقابلها في الدولة هو الحفاظ على استقرارها وتحقيق ازدهارها المادي والمعنوي..

وإذا كانت الأهداف وتسجيلها في مرمى الخصوم، ومنعها من الدخول في مرمى الفريق، هي الترجمة الكمية لهدف المدرب، فإن حماية حدود الوطن، أو زيادة نصيب الفرد من الدخل الوطني، أو رفع مستوى الرعاية الصحية والتعليمية، أو تخفيض نسبة البطالة في البلاد، هي المؤشرات الدالة على النجاح.

منسق أكاديمي ــ جامعة الإمارات