تخيل أن مسلسلا تلفزيونياً من المفترض ان يتكون من ثلاثين حلقة. لكن عند نهاية عرض الحلقة الخامسة عشرة تعلن المحطة على المشاهدين انه لم يتيسر إعداد وتصوير بقية الحلقات.. وتشفع ذلك الإعلان بأنها »تأمل« أن تتمكن من تجهيز الحلقات المتبقية في وقت لا حق دون أن تحدد موعدا معيناً.
هذا بالضبط هو حال التقرير »الأولي« الذي أعده القاضي الألماني ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال السياسي اللبناني الكبير رفيق الحريري، فهو مثل مسلسل ناقص الحلقات، بلا مغزى وبلا معنى.
رئيس لجنة التحقيق نفسه يقر في الاستخلاصات الأخيرة لتقريره الناقص المكون من 53 صفحة بأن »التحقيق لم ينته إلى الآن« منبها قارئ التقرير بأن اللجنة »تعتبر ان التحقيق يجب ان يتواصل في الفترة المقبلة«.
وعليه فإن السؤال الفوري الذي ينبغي ان يطرح بشأن التقرير ليس عما إذا كان توجهه مسيسا لكن السؤال هو: لماذا قرر رئيس لجنة التحقيق أصلا ان يتعجل رفع تقرير يعلم ويقر سلفا بأنه غير مكتمل.. وبالتالي لن يفيد إلا في إثارة بلبلة؟
هذه العجلة غير الموضوعية هي التي تستدعي التشكك في نوايا القاضي الألماني ومدى تطابقها مع النوايا المعلنة للولايات المتحدة الهادفة الى استغلال اغتيال الحريري من أجل أجندة موضوعة مسبقا تتعلق بالسياسة الأميركية العدوانية تجاه سوريا وتجاه مستقبل الأوضاع في لبنان.
مع ذلك فإن محتويات التقرير جاءت مبتسرة وخالية من أية أدلة مادية يمكن ان تدفع دمشق أو شخصيات لبنانية متحالفة معها بأية إدانة جنائية. ويبدو أن هذا النسج المهلهل الذي يطلق عليه »تقرير« هو أقصى ما استطاع القاضي ميليس أن يتوصل إليه.
ولذلك فإن حاسته القانونية استيقظت كما يبدو عند ختام التقرير من أجل التحوط لنفسه من الوقوع تحت طائلة قوانين القذف والتشهير. فهو يقول ان لجنة التحقيق ترى ان »جميع الأشخاص« الذين وردت أسماؤهم »يجب ان يعتبروا أبرياء إلى ان تثبت إدانتهم في محاكمة عادلة«.
ومن الواضح ان القاضي ميليس وصل إلى طريق مسدود بشأن تحديد الأشخاص مرتكبي الجريمة على أساس أدلة قانونية صلبة يمكن ان تصمد امام محكمة فقرر اللجوء كما يبدو لتغطية عجزه إلى افتراضات وظنون وشبهات واستنباطات غير مسنودة قانونيا.. قد تصح وقد لا تصح.
ولو كان السيد ميليس واثقا انه بالمزيد من التحري والاجتهاد سوف يتوصل إلى الحقائق النهائية لما قطع مسار التحقيق ليضع تقريراً متهافتا.
ويبدو أن اتهام سوريا بعدم التعاون هو الذريعة التي توصل إليها ميليس لتبرير عجزه.
ثم ماذا بعد؟
المنطق يقول إن على مجلس الأمن الدولي أن يرد التقرير إلى فريق التحقيق الدولي طالبا منه استكمال عمله الناقص ليتقدم بتقرير لاحق مكتمل. لكن القوى الدولية النافذة في المجلس لا تتعامل مع مثل هذه القضايا بالمنطق الموضوعي ولكن من خلال صراع المصالح.
فلننتظر لنرى.