لنضع جانباً الاحصاءات التي تذيعها وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» من حين لآخر حول عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية بسبب العمليات العسكرية داخل العراق، حيث قالت احدث احصائية بهذا الخصوص ان عدد القتلى بلغ 1996، بما في ذلك خسائر الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق في مارس عام 2003، لتبقى العلامة الفارقة في هذا الصراع تحمل عنوانا اكبر بشأن العدد الحقيقي للخسائر البشرية الأمريكية التي دأب البيت الأبيض على اسدال ستار كثيف من السرية عليه.

الادارة الأمريكية في صراع العراق انتهجت منذ البداية خطا من الكتمان على عدد ضحايا الجنود الذين يصرعون داخل مناطق الصراع سواء في العراق أو في أفغانستان بنقل نعوش القتلى الى القواعد العسكرية داخل الولايات المتحدة بعيداً عن أعين الصحفيين ووسائل الاعلام الاخرى, في محاولة منها لتغييب الرأي العام عن حقيقة الكلفة التي يتكبدها الجيش الأمريكي على أرض المعارك.

إضافة الى ذلك فان قيادة الجيش الأمريكي في العراق غالبا ما تبعد وسائل الاعلام وحتى الغربية منها عن مناطق المواجهات مع المسلحين كما أنها تعمد الى نقل جرحاها وقتلاها من ارض المواجهة بسرعة وتتكتم على حجم خسائرها.

كما عمدت تلك الادارة بين الحين والآخر الى التحكم في اهتمامات الرأي العام الامريكي وتوجيهه بما يخدم سياساتها الخارجية بعيدا عما يحصل في العراق وغيره، عبر إثارة قضايا الحرب على الارهاب والتحذير من احتمالات استهداف مصالح أمريكية داخل البلاد أو خارجها من هجمات ارهابية، بمعنى التلاعب بمشاعر الامريكيين وصرف انظارهم عن صراع العراق وغيره، وهو الأمر الذي دفع عدداً كبيراً من الجنرالات الامريكيين الى التصريح المتكرر بأن القوات الامريكية لا تملك استراتيجية محددة في العراق بشأن العمليات المسلحة.

باعتقادنا ان الخسائر البشرية التي مني بها الجيش الامريكي في حرب العراق لا تقتصر على سقوط عدد يقترب من ألفي قتيل منذ الغزو في مارس 2003، بل هناك خسائر من نوع آخر يتمثل بعدد الجرحى الذين يصابون في المعارك حيث يقول «البنتاغون» ان أكثر من 15220 جرحوا أيضا في القتال من بينهم أكثر من 7100 جندي أصيبوا إصابات بالغة تمنعهم من العودة الى الخدمة، كما أصيب آلاف آخرون في حوادث لا تتصل بالعمليات القتالية.

وإذا ما اخذنا بالاعتبار مدى التقدم الطبي في الولايات المتحدة فإن من صدق القول ان الخسائر البشرية في صفوف القوات المسلحة الامريكية كان من الممكن ان تقترب من اضعاف الرقم الذي اذاعه البنتاغون مؤخرا، والذي يفترق كثيرا عن الاحصاءات الميدانية المحايدة وبعبارة اخرى يفتقر إلى المصداقية.