دأب أهل الريف على مر العصور على وضع هياكل خشبية أو حجرية عليها بعض الثياب الرثة في حقولهم وبساتينهم لإيهام من تسول له نفسه سرقة شيء ما بوجود شخص في المكان، مما يدفعه إلى العدول عن رأيه وأن يولي الأدبار.
ولقد أطلق الفلاحون البسطاء على تلك الهياكل اسم الفزاعات وظلت تعرف كذلك حتى جاء يوم من تاريخنا المعاصر وراح فيه السياسيون يستخدمون كلمة فزاعة في معتركاتهم السياسية حين يودون الإشارة إيهاماً إلى خطر جهة ما على من يحيط بها.
وذلك بغرض التدخل أولاً ومن ثم تطبيق ما يروق لهم من مخططات تصب بالضرورة في مصالح أنانية بعيدة كل البعد عن هموم ومشاغل المُفْزَعُونْ.تاريخ الفزاعات السياسية طويل في التاريخ الإنساني.
لكن ما يهمنا في هذه العجالة هو إلقاء بعض الضوء على ما يخص عالمنا العربي منها، حيث بدأت التجربة الأبرز مع الفزاعات في المنطقة بالتزامن مع البريق الذي حظيت به الأفكار الشيوعية منذ مطلع القرن الماضي.
وهي الفترة التي شهدت بواكير الاكتشافات النفطية في المنطقة، الأمر الذي كان كفيلاً بفتح شهية القوى العظمى، أمام طبق النفط المتعطشة آلتها الصناعية اليافعة لالتهامه بأي ثمن، لكن العقود السخية التي منحت لتلك القوى للتنقيب عن الذهب الأسود.
واستغلاله لم تكن كافية لضمان استمرارية عملية النهب المنظمة، فما كان من عقول الاستراتيجيين الكبار إلا أن تفتقت عن فكرة الفزاعة الشيوعية وما يترتب على ذلك من ضرورات الحراسة والحماية والإقامة وصولاً إلى التدخل كلما تطلب الأمر ذلك.
ومع ظهور التباشير الأولى لتفكك الاتحاد السوفييتي، راح الأفق ينفتح أمام فزاعة أخرى شكلت وسيلة ناجعة في قطف الثمار السوداء اللامعة ذاتها وتمثلت في انتصار الثورة الإسلامية في إيران، فأعدت العدة وجهزت الجيوش .
وعبأت الشعوب وتم توكيل نظام الطاغية صدام حسين للتخلص من الخطر الوهمي الداهم القادم من الخاصرة الشرقية وأريقت دماء وسفحت ثروات لا تعد ولا تحصى، إلى أن تحول الطاغية نفسه إلى فزاعة بذاتها.
لكن مستجدات عديدة لا مجال لذكرها هنا ألهمت عقول الاستراتيجيين بفكرة من نوع جديد مفادها أن القوى الإقليمية غير قادرة على الوقوف في وجه الشبح الجديد وكان لا بد من إعداد عدتهم وتجهيز قواتهم هم هذه المرة، مما أفضى إلى الرجوع بالتاريخ إلى أيام الاحتلال المباشر ووضع اليد على بلد عربي تكتنز أراضيه ثاني أضخم احتياطيات النفط في العالم.
لكن يبدو أن هذا لم يشكل ضمانة كافية لبقاء تلك الشهية مفتوحة دون إزعاج. ولإحكام القبضة الحديدية على المنطقة بالمعنى الفعلي والكلي للكلمة، فقدمت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري فزاعة من طراز جديد.
فشكلت اللجان وأعدت التقارير بدل الجيوش وعقدت المؤتمرات بانتظار خروج قرارات تنقض من جديد على بلد عربي جديد ربما يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة المغادرين لقطار الشرق الأوسط السريع المحمل ببقايا مقاومة .
ما ترتب على نصب فزاعة الامبراطورية العثمانية من اتفاقيات وفي المقدمة منها اتفاقية »سايكس ـــ بيكو« التي قسمت العالم العربي إلى دويلات متناهية الصغر يسهل ابتلاعها .
ومن ثم هضمها وفرز الطالح من الصالح فيها على طريق رميها جيفة لا نفع منها ولا ضرر، فضلاً عن أنها زرعت كياناً صهيونياً عنصرياً يرقى بجدارة إلى مراتب الخطر الحقيقي الوحيد الداهم في المنطقة والذي تمكن من البقاء بعيداً عن كل الأنظار وبجدارة أيضاً.