العمليات المجتمعية هي الآليات الاجتماعية التي يتم بها ومن خلالها حدوث التطور والتغير في المجتمع، وبالتالي صنع التاريخ. وترتبط تلك العمليات مع بعضها بروابط تعاونية وتنافسية وتكاملية تجعل العلاقات الفردية ومتعددة الأطراف علاقات ديناميكية تسودها حالة من الاضطراب وعدم التوازن.
وتشمل تلك العمليات كلا من العملية الاجتماعية ـــ الثقافية، والعملية السياسية، والعملية الاقتصادية، والعملية الإعلامية ـــ المعلوماتية.
وبينما يعتبر التعاون بين العمليات المجتمعية ضرورة لتحقيق الاستقرار والتوازن في المجتمع، يعتبر التنافس الوسيلة التي تستخدمها كل عملية لتقوية نفوذها وتعزيز مواقعها في المجتمع.
أما التكامل فتمليه طبيعة المجتمع التي تتميز بتشعب النشاطات والثقافات والأهداف والمؤسسات والتي تخلق بدورها حاجة لوجود ونشاط كل العمليات المجتمعية. حين ساد حياة المجتمع عملية واحدة فقط، وذلك ما كان عليه الحال في عصور القبلية، لم يشهد المجتمع القبلي أي تطور يذكر.
وفي المقابل، يشهد المجتمع المعرفي الذي تعيشه العديد من شعوب العالم اليوم حالة من دوام التطور والتغير، وذلك بسبب وجود وحركية العمليات المجتمعية الأربع في آن واحد، وفي كل المجتمعات الإنسانية.
إن ارتباط العمليات المجتمعية بعضها ببعض بروابط عضوية واضطرارها لإقامة علاقات تعاون وتنافس وتكامل فيما بينها جعلها تعيش حالة من التطور والتغير المتواصل وغير المتوازن تحت تأثير عوامل داخلية وأخرى خارجية، أهمها:
1.ديناميكية داخلية فرضتها تعدد مكونات العملية الواحدة حيث تلاقى أهداف البعض وتتعارض مصالح البعض الآخر.
2.حركة دفاعية تمثل ردود فعل كل عملية على تحركات العمليات المجتمعية الأخرى، وذلك بهدف الحفاظ على المكاسب الذاتية والعمل على تعضيدها بقدر الإمكان.
3.حركة هجومية تستهدف الاستعداد للرد على التحركات المتوقعة للعمليات المنافسة.
من الواضح أن العمليات المجتمعية تتحرك وتتطور تحت تأثير عوامل داخلية وأخرى خارجية لا تتوقف عن الفعل ورد الفعل أبدا. وهذا يجعل من المستحيل تحقيق أي توازن في المجتمع لفترة طويلة، وذلك لان كل فعل يتبعه رد فعل موازٍ من حيث القوة يحاول عادة إعادة التوازن لما كان عليه الحال في السابق.
لكن كل رد فعل هو في حد ذاته فعل جديد يفرض على العمليات المجتمعية الأخرى أن تتحرك حفاظا على مواقعها وامتيازاتها المجتمعية. وهذا يعني أن العمليات المجتمعية تعيش حالة دائمة من عدم التوازن، وتقود المجتمع معها إلى العيش حالة مستمرة من عدم الاستقرار.
قد يظن البعض أن من مصلحة المجتمع أن يعيش حالة مستقرة، وأن التوازن من الأمور المستحسنة وذلك لارتباطه بمفهومي السلام الاجتماعي والعدالة الاجتماعية. لكن الاستقرار يعني الجمود، بينما يعني التوازن بين العمليات المختلفة القبول بالأمر الواقع وتوقف عملية التطور.
وهذا لا يخدم قضية السلام الاجتماعي ولا يحقق العدالة الاجتماعية. إن التقدم عبر التاريخ بشقيه المادي وغير المادي، لم يأت نتيجة للاستقرار الاجتماعي أو السياسي، ولا بسبب قيام توازن بين القوى المتنافسة أو المتصارعة في المجتمع.
فالثورة الزراعية مثلا كانت سببا في تغيير نمط الإنتاج الرعوي إلى نمط إنتاجي زراعي جديد، والذي تسبب بدوره في تغيير نمط الحياة، ومهد الطريق لبناء القرى والمدن وقيام الدول وظهور الإمبراطوريات واتساع نطاق العمليات التجارية.
وهذه مهدت السبيل لحدوث الثورة الصناعية التي أدت، بين أشياء أخرى، إلى رفع مستويات المعيشة وتطوير الثقافة ودخول العالم عصر الاعتماد المتبادل وحدوث ثورتي الاتصالات والمعلومات وصولا إلى عصر المعرفة والديمقراطية الذي نعيشه اليوم.
وفي الواقع، ومهما حاول البعض أن يفعل ، ليس بالإمكان تحقيق الاستقرار أو التوازن في أي تجمع إنساني أو أي مجتمع وطني أو دولي، وذلك لأن كل تغير مهما كان بسيطا يساهم بشكل مباشر وغير مباشر في إضعاف عوامل الاستقرار والإخلال بحالة التوازن.
فعلى سبيل المثال، كل مولود جديد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن العائلي القائم في حينه، مما يفرض على العائلة أن تعمل على خلق توازن جديد يأخذ بالحسبان احتياجات المولود الجديد، وذلك من خلال إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية وإعادة ترتيب الأمور الاقتصادية.
ومن ناحية أخرى، تقود عملية تدويل أسواق المال والتجارة والاستثمار إلى تكامل الصناعات والاقتصاديات الرئيسية وإضعاف قدرات العملية السياسية على التحكم في السياسات الاقتصادية والمالية الوطنية.
وهذا من شأنه إضعاف كل الحكومات وتضييق مجالات عملها وانتقاص سيادتها الوطنية، حيث لم يعد بإمكان أي دولة السيطرة على النشاطات الاقتصادية أو الإعلامية أو الثقافية في بلادها.
لذلك يلاحظ تحول العلاقة التعاونية بين العمليتين السياسية والاقتصادية إلى علاقة تنافسية، وأحيانا تناحريه، حيث تحاول الأولى تحديد حرية الثانية، بينما تحاول الثانية الإفلات من سيطرة الأولى والتوسع على حسابها.
لقد كانت العملية السياسية وحتى منتصف القرن العشرين العملية الأكثر هيمنة على المجتمع، وكانت العملية الاقتصادية بحاجة لدعم العملية السياسية ومساعدتها على تحقيق أهدافها التجارية والمالية والاستثمارية على الساحة الدولية.
في النصف الثاني من القرن العشرين، ونتيجة للتطورات التي أحدثتها ثورتا الاتصالات والمعلومات، والتي كان من تبعاتها تدويل أسواق التجارة والمال والاستثمار، انتهت وصاية العملية السياسية على العملية الاقتصادية.
مما جعل العلاقة بين العمليتين تأخذ طابعا تنافسيا لا تعاونيا. وبسبب اتجاه العملية الاقتصادية إلى العمل ضمن مفهوم »عالم بلا حدود« أصبح بإمكان ومن مصلحة تلك العملية تعطيل الكثير من القوانين التي سنتها العملية السياسية.
والقيام بنقل مراكز الإنتاج من دولة لأخرى ومطالبة الدولة بتنازلات كثيرة مقابل عدم الرحيل من بلادها أو توطين بعض العمليات الإنتاجية في أراضيها. وهذا أدى إلى تعضيد دور العملية الاقتصادية على حساب العملية السياسية.
وقيام الأولى بمحاولة السيطرة على الثانية من خلال تمويل الحملات الانتخابية وشراء الساسة ورشوتهم. أما العلاقة بين العملية الإعلامية ـــ المعلوماتية والعملية الاجتماعية ـــ الثقافية فلا تختلف كثيرا عن العلاقة بين العمليتين السياسية والاقتصادية.
ففي الماضي القريب كانت العملية الاعلامية مجرد أداة اجتماعية ذات دور محدود تستخدمها العملية السياسية والعملية الاجتماعية ـــ الثقافية لإيصال أفكارها وآرائها للمعنيين والمستهدفين من أبناء الشعب.
إلا أن ثورة الاتصالات التي جعلت بالإمكان التواصل آنيا مع صانع القرار والمستفيد منه من ناحية، وانتشار استخدام الراديو والتلفزيون والانترنت من ناحية ثانية كانت سببا في تمكين العملية الإعلامية ـــ المعلوماتية من الاستحواذ على قدر كبير من الاستقلالية والهيمنة المجتمعية.
وفي ضوء تزايد أهمية هذه العملية وزيادة أوجه الحياة تعقيدا أصبح على كافة العمليات الاجتماعية المرور من خلال القنوات الإعلامية ودفع رسوم باهظة.
وتقديم تنازلات كبيرة لقاء ذلك. وهذا جعل العملية الإعلامية ـــ المعلوماتية تغدو أهم العمليات جميعا وأكثرها قدرة على التأثير في حياة المجتمع وفي ثقافات الشعوب وأنماط حياتهم.
professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي