هناك، في ركن قصي من تلك الرحاب الطاهرة، حيث أسكن نبي الله إبراهيم عليه السلام من ذريته بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ليقيموا الصلاة، ثم دعا ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وأن يرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون، هناك جلس صاحبنا متأملا، وقال محدثا نفسه:
ربما لا يكون ما سأقوله جديدا، ومؤكد أنه لن يكون أفضل ما قيل أو كتب في هذا المقام، فقد سبقتني إليه أقلام هي أكثر من قلمي سيولة، وأفاض فيه من هم أرسخ مني علما وأوسع إطلاعا.
لكنه فيض نفحات روحانية يأبى إلا أن يغادر مكنون النفس إلى الفضاء الرحب في هذه الأيام المباركة، عله يلامس أرواحا تشعر بجمال هذه النفحات، وتعرف قيمة هذه المشاعر في لحظات تشف فيها النفوس فترفع أصحابها من عالم الأبدان لتحلق بهم هناك في عالم الأرواح.
وما كان لهذا الفيض أن يجد الأرض ممهدة له لولا تدفقه في تلك الرحاب المقدسة التي يؤمها هذه الأيام ملايين المسلمين من شتى أنحاء المعمورة، تاركين وراءهم مشاغل الدنيا، مقتطعين من أعمارهم أوقاتا يتفرغون خلالها للعبادة، غير عابئين بكل ما يجري في العالم حولهم، منقطعين عن كل شيء سوى الاتصال بخالقهم.
أول وأكثر ما يلفت النظر في هذه الجموع التي تأتي وتذهب تباعا أن جل الوجوه التي تطالعك منها هي من فئة الشباب الذين هم دون سن الثلاثين، بل لعل كثيرا منهم دون العشرين.
وهي ظاهرة تستحق أن يُلتفت إليها، إذ اعتدنا أن نرى أغلب من يؤم هذه الديار من كبار السن الذين يريدون أن يختموا حياتهم بزيارة هذه الأماكن، فكم هو جميل أن نرى من يريد أن يبدأ حياته بها. ولكن ما الذي يدفع بهذه الجموع الكبيرة من الشباب إلى تأدية سنة هي من أشق السنن جهدا وأكثرها كلفة؟
لا شك أنه وازع إيماني عظيم يجب استثماره بشكل جيد وتوجيهه التوجيه السليم قبل أن ينقضّ عليه من هو متحفز لاستغلاله استغلالا سيئا، و توجيهه توجيها خاطئا، رأينا نتائجه في عمليات وأحداث ذهب ضحية لها مدنيون أبرياء من المسلمين أنفسهم.
رغم ادعاء من قاموا بها أنها تستهدف آخرين من ذوي الديانات الأخرى، دونما جريمة اقترفوها أو سبب يدعو إلى قتلهم، اللهم إلا نظرة ضيقة تأخذ البريء بجريرة الجاني وتخلط الحق بالباطل.
إن روح التسامح التي تسود في هذه الأماكن، على اكتظاظها بمرتاديها، تدعونا إلى البحث عن بذور الشر التي غُرست بعيدا عن أماكن العبادة هذه لتنبت أشجار عنف رأيناها تضرب بجذورها في أراض وبيئات لم تعرفها المجتمعات الإسلامية إلا في مراحل كانت شذوذا عن القاعدة التي أرساها نبي هذه الأمة.
ورسخها قولا وعملا، وكذلك فعل صحبه الكرام بعده حتى في حروبهم، تشهد على ذلك وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيش أسامة بن زيد وهو ذاهب لغزو الروم إذ يوجهه قائلا:
( لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الطفل، ولا الشيخ، ولا المرأة. ولا تغرقوا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا للأكل. وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له).
كل هذه الأخلاق و هذه الإنسانية في قتال الأعداء تدعونا إلى التساؤل عما يفعله عرابو العنف ومدعو حمل راية الجهاد هذه الأيام في بلاد المسلمين وكل مكان ينقلون إليه معاركهم.
وما يقترفونه من مذابح يذهب ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ، وتسيل فيها دماء بريئة لا ناقة لها ولا جمل في كل هذه المعارك التي تخوضها جماعات الإرهاب رافعة لواء الإسلام، مدعية الذود عنه، والإسلام منها براء.
إن ساعة تأمل يقضيها الجالس في رحاب المسجد النبوي أو الحرم المكي لتدفع بآلاف الأسئلة والأفكار إلى رأسه وهو يرى هذا التنوع العجيب في الأشكال والملامح والملابس، وهذا التفاوت في الأعمار بدءا من الأطفال الصغار وانتهاء بالشيوخ الكبار.
وهذا الاختلاط بين النساء والرجال دون أن يتسلل إلى نفس أيّ منهم خاطر سوء أو تنتاب ضمائرهم ريبة. مشاهد تدفع الإنسان إلى الإحساس بأنه ينتمي إلى أمة عظيمة لا تنقصها الأخلاق والمبادئ و القيم بقدر ما ينقصها الإحساس بعظمتها، ليس ذلك الإحساس الذي يدفعها إلى معاداة كل الأديان والأمم وإعلان الحرب عليها.
وإنما هو الإحساس الذي يقودها إلى ضم صفوفها وتوحيد كلمتها لمحاربة الوهن الذي تسلل إلى جسدها فأوهن منها الروح قبل أن يتكالب عليها الأعداء من الخارج كما يتخذ من ذلك ذريعة أولئك الذين يشوهون صورة الإسلام.
ويجعلون منه نموذجا للتعصب والإرهاب ومعاداة الآخر دون تمييز، إلى الدرجة التي يكفّرون معها ويستبيحون دماء مسلمين تلهج ألسنتهم بذكر الله، ويؤمنون بالكتاب الذي يستنبط منه أولئك المتعصبون ما يوافق أهواءهم ويبرر أفعالهم.
كان الخيط الأبيض قد تبين له من الخيط الأسود من الفجر، وكانت استجابة الخالق لدعوة إبراهيم - عليه السلام - ماثلة جلية أمام عينيه وهو يرى كل هذه الأفئدة من الناس تهوي إلى هذا الوادي المبارك، ليشهدوا منافع لهم.
ويذكروا اسم الله على ما رزقهم، ويقضوا تفثهم، ويوفوا نذورهم، ويطّوفوا بالبيت العتيق. وكان صوت المؤذن مناديا لصلاة الفجر ينساب إلى قلب صاحبنا قبل أذنه وهو يفيق من تأملاته هذه متمنيا لو أفاقت أمته من سباتها الذي طال.
فمن يشاهد هذه الجموع القادمة من كل أصقاع المعمورة لاشك يدرك أن هذه الأمة عظيمة، لا تنقصها المبادئ السامية ولا القواعد الصلبة الراسخة. أمة اكتملت لها كل عوامل العظمة والسمو والارتقاء، لكنها مع الأسف تجهل ذلك أو لا تعرف الطريق الصحيح إليه.
أمة يستغل البعض إحباطها كي يقودها عبر طرق وعرة إلى كهوف مظلمة، بينما الطريق أمامها واضح، رسمه لها نبي الرحمة الذي بيّن له ربه طريق الدعوة فقال: ( أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) .
وقد كان بإمكانه أن يطلب فيطبق الخالق على من رفضوا دعوته الأخشبين ( جبلي مكة ) لو أراد، لكنه قال: ( بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا ) فكيف يأتي بعد هذا كله من يكفِّر أفرادا من أمته ويعمل على إزهاق أرواحهم؟!
وبينما كانت أنوار الفجر تغمر المكان كله، كان نور من نوع آخر يغمر قلب صاحبنا، وكان ثمة بصيص أمل يلوح من بين هذه الجموع التي انتظمت في دوائر تحيط بالكعبة قبلتها، وخرج بعد أن أدى صلاة الفجر وطاف بالبيت العتيق وهو يردد: أمة عظيمة .. ولكن!
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com