في تعجله لإنفاذ نواياه المبيتة استناداً إلى »تقرير ميليس« تخطى جورج بوش مرحلة الاشتباه وما يفترض أن يتبعها من مرحلة توجيه الاتهام ومرحلة المحاكمة وصدور القرار القضائي بالإدانة أو البراءة ومرحلة استئناف الحكم قضائياً ليطالب بتوقيع عقوبة على سوريا.

وابتداء نتساءل: هل هو تقرير قانوني أم بيان سياسي كما وصفته دمشق؟

إنه لا يرقى حتى إلى مستوى بيان سياسي رصين.. فهو أقرب إلى تحليل صحافي متهافت مبني على تكهنات تجريدية وظنون وقرائن مضطربة.

وحتى القاضي الألماني ميليس مؤلف التقرير يقول عن تقريره إنه »تحقيق أولي« يحتاج إلى المزيد من التحري واسع النطاق حتى يتيسر وضع تقرير لاحق مفصل بعد أن يتم تمحيص الظنون والشبهات لكي يقرر هذا المحقق الدولي عند نهاية المطاف ما إذا كانت هذه الظنون والشبهات وما تنطوي عليه من قرائن قانونية يمكن ان تصمد خلال محاكمة أمام قاض نزيه ومحامي دفاع متمرس.

منذ الوهلة الأولى بدت مهمة ميليس هي نفسها محفوفة بشبهات فبالرغم من أنه كان يتظاهر بحرص كامل على سرية التحريات وسير التحقيق عبر مراحله فإنه تعمد إجراء تسريبات إلى الصحافة اللبنانية والصحافة الألمانية كلها تحوم حول الاشتباه ضد دمشق والشخصيات اللبنانية المقربة إليها.

والدليل على ذلك هو أنه عندما نشر التقرير رسمياً اتضح أن كافة عناصره الرئيسية تتطابق تماماً مع التسريبات الإخبارية السابقة ومدلولاتها السياسية.منذ البداية كان واضحاً من خلال التسريبات أن المحقق ميليس حدد لمسار التحقيق سكة تنتهي به إلى دمشق من قبيل الإدانة المسبقة. وهنا يتساءل قانونيون:

لماذا لم يتبن ميليس أكثر من فرضية لتحديد اتجاه التحقيق.. لماذا لم يقرر تبين فرضية أخرى أيضاً موجهة صوب الموساد الإسرائيلي.. وذلك من أجل ألا يتخذ التحقيق وجهة انحيازية ضد طرف معين؟

لقد صار من المؤكد الآن أن ميليس كان ولا يزال مرتهناً في تحقيقه إلى واشنطن وباريس إما بالتجاوب أو التواطؤ. ونذكر في هذا السياق كيف أن كبار المسؤولين الأميركيين كانوا طوال مراحل التحقيق يصدرون إدانة تلو إدانة ضد دمشق.

أنا لا أجزم بأن دمشق بريئة من دم الحريري. وبنفس القدر لا أقطع أنها مدانة. وإنما أجزم بما تراه العين العامة بأن هناك تحاملاً سياسياً فاضحاً من واشنطن وباريس ضد سوريا وأن تقرير ميليس الأولي يجسد هذا التحامل.

وكان الأجدر بالرئيس بوش ان يقول: دعونا ننتظر لحين أن يتمكن المحقق من إعداد تقريره المفصل .

وما إذا كان سيحوي اتهامات محددة مبنية على أدلة ملموسة ودامغة تجعل القضية قابلة لرفعها إلى القضاء.لكن الرئيس الأميركي الذي يعتبر نفسه راعي جماعة »الإنجيليين الصهاينة« وخادم »المحافظين الجدد« لا يفكر في أي أمر إلا من خلال الرؤية الإسرائيلية.

ستتوالى حلقات المسلسل لتنتهي إلى محاصرة سوريا من ناحية وتجريد »حزب الله« من السلاح من ناحية أخرى حتى يخلو المسرح اللبناني تماماً للموساد الإسرائيلي مدعوماً بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

لكن جورج بوش يلعب بالنار.. فليعد قراءة فصول الحرب الأهلية في لبنان وكيف امتد لهيبها ليحرق أصابع واشنطن.. وتفاعلت تداعياتها لتنتهي إلى هزيمة القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني وإجلائها عنه.