قبل ان يسلم المحقق الدولي ميليس تقريره الى الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان كان الشارع اللبناني يشير باصبع الاتهام الى النظام الامني اللبناني السوري المشترك بالمسؤولية عن جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وحتى الاسماء التي اشار اليها السيد ميليس لم تكن في مجملها بعيدة عن السنة اللبنانيين، وحتى اجراءات التحقيق التي شاركت فيها ست لجان من ست دول مختلفة تمت في اجواء من القناعة بان عملية الاغتيال من تدبير او اشراف او تواطؤ الاجهزة الامنية، فما هو الجديد الذي اكتشفه المحقق الدولي، او ما هي القيمة الحقيقية لهذا التقرير الذي سيعرض على مجلس الامن الدولي يوم الثلاثاء المقبل؟

ابسط الاجوبة على التساؤلات المشروعة هي اننا اليوم امام قضية لبنانية بصورة كاملة وسورية بصورة جزئية توافق الحضور السياسي والعسكري والامني السوري السابق في لبنان تحولت لتصير قضية دولية لا تفرق بين تورط الاشخاص بصفتهم الرسمية وبين النظام السياسي الذي ينتمون اليه برئاسة الرئيس اميل لحود في بيروت والرئيس بشار الاسد في دمشق، ومع وجود اختلاف الوضع على هذا المستوى فان نظام الرئيس لحود سيتحمل وحده النتائج في حال ثبوت علاقة مباشرة بعملية الاغتيال بينما نظام الرئيس الاسد وسوريا شيء واحد لا يمكن الفصل بينه تحت اي ظرف، وبالتالي فان العبء الاكبر من التبعات المتوقعة سيتجه نحو دمشق.

تقرير ميليس قابل للنقاش من جوانبه القانونية وهو ان تجرد من الفكرة السياسية من حيث هو مجرد نتائج اولية لتحقيق لم يكتمل الا انه يفتح الطريق نحو ازمات سياسية اولا واخيرا بل ان ذلك التلقف الحميم للتقرير من قبل الرئيس الامريكي جورج بوش وتعليماته العاجلة لوزيرة خارجيته كونداليزا رايس لدعوة مجلس الامن الى الانعقاد يذكرنا بموقفه من تقارير مفتشي اسلحة الدمار الشامل في العراق والتي استخدمت كذريعة لتبرير الحرب، وكأنه يفرك يديه فرحا بالذين وقعوا او انهم واقعون حتما في الفخ.

هل كان من الممكن ان يقوم القضاء اللبناني بما قام به ميليس؟ وهل جاء تدويل التحقيق كخيار منطقي لكشف الحقائق المريعة لاكبر عملية اغتيال سياسي في السنوات الاخيرة بعيدا عن حسابات تضيق بها الملفات منذ ان دخل الجيش السوري الى لبنان خلال الحرب الاهلية اياها؟

بغض النظر عن الاجوبة فان تسلسل الاحداث يقودنا الى نهاية حقبة ثقيلة من تاريخ لبنان، وربما نهاية زمن لطالما غاب عنه منطق العقل وحلت فيه مراكز القوى الفاسدة محل الحكم الصالح المشروع والمسؤول، اليوم تعود الينا الشرعية الدولية لترينا وجوه الذين استسهلوا قتل الخصوم على حقيقتهم، لكن الثمن باهظ جدا حين يكون على الدول والشعوب المعنية كلها ان تشارك في دفع ثمن خطأ لم ترتكبه.

لم تخرج المنطقة بعد من الاحتلال الاجنبي للعراق، ولا من الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، ليس بعد، ليس قبل ان يكتمل المشهد لنرى »المجتمع الدولي« يقيم العدل في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري ويترك بقية الجرائم الكثيرة من دون عقاب، هكذا الشرعية العرجاء ستكون حاضرة حضور »كل ذي عاهة« لكي نتفرج على المشهد المهين زمنا لا ندري كم سيطول، ولا نريد ان نتصور حجم او نوعية »الفدية التي سيتم دفعها للخروج من المأزق«.

من حق الجميع ان يقرأوا التقرير كيفما ارادوا، ومن حق الذين قالوا على مر الايام اننا نعيش في عالم متغير واننا مسؤولون عن موقعنا فيه، وان قضية الوجود السوري في لبنان بالصورة التي كان عليها خطأ فادح اضر بلبنان وسوريا على حد سواء وخلق مجموعات من المستفيدين والمتنفذين خارج النص، وبالتي يجب البحث عن طريقة تجعلهم وحدهم يدفعون الثمن.