يستحق الشعب العراقي، تحية إكبار وإجلال، فهو شعب استثنائي، تحدى جحافل الإرهاب والرعب التي احترفت القتل والتدمير والتفجير وأباحت الدماء، كما خيبت الظنون السوداء والتوقعات السلبية للذين لا يريدون للشعب العراقي خيراً من المغرضين والكارهين والمتربصين من بقايا القوميين والبعثيين وأتباع صدام والناقمين على أميركا من رموز الوسطية الإسلامية الذين يحتفون بعمليات سفك دماء العراقيين ويسمونها »مقاومة للمحتل«.
لقد استطاع الشعب العراقي، وفي فترة زمنية قصيرة، من سقوط صدام الى محاكمته ــ تحقيق إنجازات سياسية متواصلة، وبالأمس القريب، خرج 8.5 ملايين عراقي متحدين الموت المرتبص بهم في كل زاوية وشارع ليفرضوا كلمتهم ويختاروا نوابه، ومنذ أيام.
خاض أكثر من 10 ملايين عراقي معركة استفتاء مسودة الدستور في يوم »بنفسجي ثان« وبنسبة وصلت الى أكثر من 63% ليعلن هزيمة الإرهابيين واتباع صدام ومن تعاطف معهم من الكتاب والإعلاميين العرب الناقمين، الذين ينظرون الى مستقبل العراق من خلال الأعمال الإرهابية وتصريحات دعاة الفرقة الطائفية المضخمين للسلبيات.
وهو ما جعل شاكر النابلسي يتساءل بحيرة: هل موقف كثير من المثقفين العرب مما يجري الآن في العراق، مرده كراهية المثقفين للشعب العراقي أم مرده خوف العرب من أن يتكرر الفيلم العراقي في بلادهم؟ ــ السياسة 30/9 ــ ما يفعله إعلامنا من تقبيح متعمد للصورة العراقية »نوع آخر من الجريمة ترتكبه فضائياتنا كل يوم في بث مباشر من مسرح الجريمة لتأجيج الفتن وشحن المشاهدين وتبرير القتل والعنف عبر تمكين منابرها لفتاوى الدمار ومقاولي ذبح العراقيين، كما تقول الكاتبة الكويتية سلوى السعيد ــ الشرق الأوسط 2/6.
للعراقيين ان يفخروا بما أنجزوه سواء في بلدهم أو في المنطقة كلها، فقد اعترف وليد جنبلاط، بأن شرارة التغيير في المنطقة بدأت من العراق، وقال »لقد كنت متشائماً بالنسبة للعراق، ولكن بعد أن رأيت ثمانية ملايين عراقي يصوتون، فإن هذا يعني أنها بداية عالم عربي جديد«. وأضاف: أن ضرارة هذه الثورة الديمقراطية تنتشر، الشعب السوري، الشعب المصري، جميعهم يقولون ان شيئاً ما يتغير، حائط برلين انهار، ويمكننا رؤية ذلك.
وهو الذي جعل »بلير« يقف متحدياً منافسيه المهزومين فيقول »لن نسحب قواتنا لئلا نخذل 8.5 ملايين عراقي راغب في الديمقراطية«.
وهو ــ أيضاً ــ ما جعل »بوش« أكثر تصميماً وتحدياً حينما قال مؤخراً: لن نتراجع ولن نستسلم أبداً ولن نقبل بأقل من نصر كامل.
وأخيراً هو ما بعث الروح في جسد الجامعة العربية فعمرو موسى ــ الأمين العام ــ يزور العراق لأول مرة طالباً المصالحة والوفاق، ومعترفاً للصحافيين في الطائرة: لأول مرة يتفق العرب على تكليف رجل واحد في التعاطف مع العراق، لقد ووجه موسى هناك بعتب علني من الفرقاء العراقيين فلم يملك إلا ان يدين ــ باسم العرب ــ قتل العراقيين الأبرياء، وذلك أضعف الإيمان والمطلوب »موقف عربي شجاع«.
نعم للعراقيين أن يرفعوا رؤوسهم عالياً فما حققوه على المستوى السياسي وحتى الآن، يعد إعجازاً اذا ما قورن بما انجزته شعوب مماثلة كاليابان وألمانيا وكوريا وغيرها من الشعوب التي واجهت المشـكلات السياسية نفسها بعد ان تخلصت من نظمها الاستبدادية، طبقاً لشاكر النابلسي الذي يقول:
للعراقيين ان يتباهوا على العرب بدستورهم الحداثي، فرغم كل المآخذ الشكلية، يبقى هذا الدستور أكثر الدساتير العربية حداثة وتقدماً، فهو الوحيد في العالم العربي الذي قلل من سلطات الحاكم وأعطى الشعب كافة حقوقه لكي لا يصبح الحاكم زعيماً يعبد أو قائداً يمجد ــ السياسة 15/10.
لقد قال 10 ملايين عراقي كلمتهم في الدستور، وحتى العرب السنة الذين دأبوا ــ بغفلة منقطعة النظير ــ على مقاطعة العملية السياسية بحجة وجود »المحتل« شاركوا ــ هذه المرة ــ بكثافة عالية، وهذه إيجابية تذكر.
ولم تعلن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج النهائية الرسمية حتى الآن لمزيد من الفحص والتدقيق وبخاصة بعد ان أبدت أطراف سنية قلقها من تدخلات، الأمر الذي دفع بالمفوضية الى تشجيع العراقيين الذين لديهم شكوك للتقدم بالطعن في الاستفتاء، وهو أمر نادر في الحياة السياسية العربية ان تقوم به جهة مشرفة على الانتخابات.
ومع ذلك فإن التكهنات لصالح اقرار الدستور، والمتحصل حتى الآن ان هناك محافظتين قالتا »لا« والمراهنة على »نينوى« التي تشكل »بيضة القبان« والعرب السنة يشكلون الغالبية فيها ولكن يجب ألا ننسى ان »الحزب الإسلامي« يؤيد المسودة.
وهو يشكلون الثقل الأساسي فيها، ولكن سواء أقر الدستور أم لا فإن اللافت هو تزحزح الأقلية العربية السنية عن موقفها الرافض للعملية السياسية للاشتراك بكثافة فيها، وهذا في حد ذاته يشكل انتصاراً للعملية السياسية التي تدعمها واشنطن وهزيمة للإرهاب وقد رحب بوش بمشاركة العرب السنة معتبراً أنه »تطور إيجابي«.
واذا مر الدستور العراقي بالإيجاب وتم إقراره واجتازت مسودته الاختبار العراقي فإن الفضل الأكبر يعود في ذلك الى ما يسمى »مبادرة اللحظة الأخيرة« التي تمت بين الحكومة و»الحزب الإسلامي« الذي اشترط ادخال تعديلات معينة على الدستور بعد الانتخابات البرلمانية في ديسمبر المقبل في مقابل تأييده للمسودة، ولاشك ان هذه الخطوة تستحق الإشادة وهي تدل على بعد نظر للطرفين وتحسب لصالح الحزب الإسلامي الذي أثبت بموقفه الإيجابي نضجاً سياسياً متميزاً بين طائفة العرب السنة.
وإننا اذا نتمنى حصول مسودة الدستور على الأغلبية اللازمة لإقرارها فإننا نتمنى لزيارة عمرو موسى ان تحقق النتائج الإيجابية المرجوة منها.
كاتب قطري