أحاط عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، زيارته الأخيرة إلى بغداد، بكثير من السرية والغموض، الذي يلف عادة أفلام الإثارة والأكشن التي تبرع بها هوليوود، إذ قال قبل دقائق معدودة من ركوبه الطائرة التي أقلته والوفد المرافق له من القاهرة، انه سيزور بغداد في غضون ثلاثة أيام على أقصى تقدير!
تفسير ذلك بالتأكيد، يرجع إلى دواع أمنية، لا نختلف عليها، بقدر ما نشفق على ما آلت إليه الأوضاع في هذا البلد العربي الشقيق، الذي بشرتنا واشنطن بأنه سيكون واحة للديمقراطية والسلام، ونموذجا للحرية التي سيتعلم منها العالم العربي، وإذا بالرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، وأضحى العراق مكانا للرعب وواحة للدماء والعنف، ما اجبر هذا المسؤول العربي الذي يتحدث بلسان أهله ويشعر بآلامهم وأحزانهم واشتياقهم للأمن، على ان لا يدخله في وضح النهار.
على أية حال، تمت الزيارة بسلام، لكنها فتحت آفاقا ومحاور عديدة للنقاش، لاسيما وان البعض ظن ان موسى الذي أعلن قبل ذهابه إلى بغداد انه يحمل بيده مبادرة باسم كل العرب للعراقيين، سيحمل في يده الأخرى عصا تداوي الجراح وتوقف النزيف الذي يشتكي منه الجسد العراقي منذ سنوات مضت، تتخطى تاريخ سقوط بغداد في 2003، إلى بداية دخول النفق المظلم في الحرب الأولى التي جاءت اثر غزو الكويت عام 1990.
موسى من جانبه لم يبخل في إعطاء الأمل، بأنه يحمل »العصا السحرية« التي ستساهم في حل أزمة العراق، وأثناء وجوده في بغداد، أطلق تصريحات كثيرة، أبرزها انه يأمل في التوصل إلى توافق وطني و التحرك نحو عراق جديد مستقر و مصالحة عامة بين جميع القوى السياسية العاملة في البلاد تحت مسمى الوفاق الوطني«. وقال أيضا ان »العرب يشكلون شبكة أمان للعراق على الصعد كافة، و ذلك لا يعني الأمن بمفهومه الضيق«.
كلام مفعم بالتفاؤل والأمل، لكن هل فعلاً موسى والجامعة العربية، قادران ان يساهما في حل الأزمة العراقية التي تبدو خطوطها متداخلة ومتشابكة على نحو معقد للغاية، مثل شبكة العنكبوت؟
الإجابة بلا شك ستصدم المتعلقين ببصيص أي أمل، للخروج من حفرة اليأس، ورؤية أي ضوء في نهاية هذا النفق المظلم، لأسباب عديدة منها ان أغلبية العراقيين عاتبون كثيرا على الجامعة العربية لعدم اكتراثها بالشأن العراقي منذ سقوط النظام السابق عام 2003.
سبب آخر يتعلق بجوهر »الحل« الذي حمله موسى إلى بغداد، وهو مؤتمر للمصالحة الوطنية، إذ ان هذا الطرح لم يأت على هوى كل الأطياف العراقية، وبالأخص الأكراد والشيعة، الذين يرون »المصالحة« تعني الانتقاص من المكاسب السياسية، التي حققوها في الفترة الأخيرة، رغم ان تبريراتهم لهذا الرفض، هي »معارضة أي حوار مع الإرهابيين الذين ساهموا في هدر الدم أو مع البعثيين الذين تولوا مواقع متقدمة في النظام السابق«.
في حين ان العرب السنة يؤيدونها لاستعادة جزء مما افتقدوه من السلطة، ويرونها فرصة لـ »إعادة تسمية المحتل باسمه، وتحديد جدول زمني لانسحابه، ووضع تعريف محدد للإرهاب، والاعتراف بالمقاومة الوطنية، والعمل على إعادة الجيش العراقي باستثناء المجرمين، وحل الميليشيات المسلحة«.
يضاف إلى ما سبق ان الجامعة العربية، مثقلة ذاتها بالمشكلات والأزمات، اقلها ماليا، والتي تجعلها عاجزة حتى عن دفع رواتب موظفيها، فما بالنا إذن بقضايا وأزمات من الوزن الثقيل مثل الأزمة العراقية .
إذن يمكن القول ان مفتاح حل الأزمة العراقية، ليس في يد الجامعة العربية، أو حتى يد الاحتلال الذي يتحمل بالتأكيد جزءاً كبيرا منها، وإنما في يد العراقيين أنفسهم الذين عليهم تجاوز الخلافات والاتفاق على استراتيجية عمل محددة، وهذا الأمر سيكون بالتأكيد اقوى من أية »عصا موسى« عربية.