خمس ركائز استراتيجية وضعتها دبي لتطوير الأداء الحكومي كمرحلة أولى ستجر بالطبع مراحل أخرى تكتمل عبرها وبها الاستراتيجية المتكاملة لدفع المؤسسات الحكومية إلى التميز في أدائها المؤسسي في ضوء تفاعلها مع بيئتها الداخلية والخارجية معا.

وارتأت هذه الاستراتيجية ان يكون المحور الأول هو الاعتماد على أسس التفكير الاستراتيجي وقواعده العلمية السليمة، والمحور الثاني هو المساءلة والشفافية ومكافحة الفساد بكل أوجهه الى جانب التميز في خدمة المتعاملين والكفاءة في الأداء المالي وأخيرا الاهتمام بالموارد البشرية وتنميتها اعتمادا على سياسات الإدارة الحديثة.

هذا ما تريده دبي وما تطمح للوصول إليه بأقصى سرعة ممكنة. وتحدٍ مثل هذا يضع كل القائمين على المؤسسات الحكومية من مديري ورؤساء ومسؤولين أمام مسؤوليات جديدة أولها ضرورة فهمهم الحقيقي والعميق لمعنى هذه الاستراتيجية بتفاصيلها وأبعادها وأهدافها ومتطلباتها..

وهذا يقتضي من كل مسؤول حكومي ان يكون ملما بمفهوم الإدارة الحديثة وكيفية تطبيقها وممارستها، وهو مفهوم غير ثابت ويتغير باستمرار، ولكن قبل هذا وذاك يتوجب على كل مسؤول ان يندفع في عمله من شعور حقيقي داخلي بالوطنية والمسؤولية تجاه ضرورة الارتقاء بالمؤسسات الحكومية وضرورة استقطاب المواطنين لتحمل الجزء الأكبر في تنفيذ هذه الاستراتيجية الوطنية وإلقاء حمل الأمانة على أكتافهم للنهوض بوطنهم وبمؤسساته وأدائها.

لكي تستطيع المؤسسات الحكومية المساهمة بشكل أفضل في تطبيق الاستراتيجية المأمولة للتطوير الحكومي في دبي فهي مطالبة باستحداث سياسات ومبادئ ترتكز عليها الإدارة المفتوحة والحديثة ومن بينها سياسة »التمكين« مثلا. ينبغي تبني ثقافة تشجيع الأفراد على تحمل مسؤولياتهم الشخصية في العمل وذلك من خلال تفويض المسؤولية لهم وإعطائهم الفرصة لاستخدام وابراز قدراتهم وتشجيعهم على اتخاذ القرارات.

ففي المؤسسات الحكومية قلما يوجد المدير(المنفتح) الذي يعطي العاملين لديه الصلاحية لوضع الأهداف الخاصة بعملهم والفرصة لاتخاذ القرارات التي تحل مشاكلهم في نطاق مسؤولياتهم. الكثير من مديري الدوائر الحكومية يتدخلون في الصغيرة والكبيرة ويحدون من حرية تصرف الموظفين ، أحيانا بدافع الحرص على العمل وعدم الثقة في الآخرين.

وأحيانا بسبب الخوف غير المبرر من سحب بساط السلطة من تحتهم وتهديد مراكزهم، خصوصا لدى المديرين الذين وصلوا إلى الكرسي بالمحسوبيات.. وهذا كله يحدث بسبب قلة الاستيعاب لمعنى ووظائف ومسؤوليات المدير التي يفترض ان يكون الجانب الأكبر منها يصب في وضع السياسات وتحديد الأهداف ورسم الاستراتيجيات وليس تسيير الأمور الروتينية اليومية والتدخل في كل شاردة وواردة.

الأسلوب الإداري القائم على المشاركة وتبادل الآراء والأفكار هو واحد من متطلبات النجاح في جميع المؤسسات العصرية، وفي دراسة أجريت هنا في دولة الإمارات حول الأسلوب الإداري المتبع من قبل المديرين المواطنين والوافدين تبين ان الغالبية العظمى من المديرين أبدت في الاستبيان رغبة وتفضيلاً للأسلوب الإداري القائم على المشاركة والاستشارة.

وهذا ليس بالضرورة معناه ان أساليبهم الإدارية التي يتبعونها هم شخصيا هي أساليب استشارة ومشاركة بل قد تعني ان اختيارهم لهذه الأساليب في استبيانات الدراسة منبعه افتقارهم إليها وحلمهم بتحقيقها.

فغالبا ما تصاغ الأسئلة في الاستبيانات العلمية بطريقة تخلو من السؤال المباشر حتى لا يتحرج المشارك في الرد عليه. مثلا، بدلا من وضع سؤال يقيس خوف الموظفين من إبداء اعتراضهم مع مديرهم على النحو التالي (كم مرة تخاف من التعبير عن عدم اتفاقك مع مرؤوسك) إلى الصيغة التالية:

(كم مرة يتكرر خوف الموظفين من التعبير عن عدم اتفاقهم مع مرؤوسيهم) وهنا تكون الإجابة أسهل على الصيغة الثانية منها على الصيغة الأولى وتحمل في طياتها مؤشرا بأن هذا الشيء يحدث له هو أيضا وليس للموظفين الآخرين.

يقول أحد الباحثين والدارسين ممن اتخذ إحدى المؤسسات في الدولة كحالة دراسة حول الممارسات الإدارية وتقبل الموظفين لها انه وجد ان هناك شبه إجماع في الرأي من قبل مديري الإدارات ورؤساء الأقسام في هذه المؤسسة حول بيروقراطية المدير العام في كل أساليبه الإدارية من اتخاذه للقرارات وفرضه للإجراءات وتدخله في تفاصيل العمل اليومي واحتكاره للسلطة لأبعد حد واعتماده على القيل والقال في جمع المعلومة وتشجيعه للتجسس على الآخرين واعتماده في الترقيات على رضاه الشخصي عن الأفراد وليس الكفاءة.

وعندما جاء دور إجراء الحوار مع المدير العام نفسه كانت صدمة الباحث كبيرة باقتناع هذا المدير بأن أسلوبه ديمقراطي وبأن المجال مفتوح للجميع لإبداء الرأي أمامه وبأنه لا يخطو خطوة في العمل إلا بمشورة فريق عمله ولا يتخذ أية عقوبة ضد أي موظف إلا بعد التحقق من المعلومات.

كان مقتنعا تماما بينه وبين نفسه بأنه نموذج يحتذى به في الإدارة والتطوير وهذه في حد ذاتها إشكالية يجب أن يلتفت إليها المديرين ممن يعيشون وهماً غير حقيقي ولا يجرؤ أحد على كشف الحقيقة أمامهم أو انتقادهم.

الاهتمام بالموارد البشرية وتنميتها كان إحدى الركائز الخمس لاستراتيجية دبي للتطوير الحكومي، وهذه من المبادئ التي اعتمدتها الإدارات الحديثة منذ وقت طويل عندما اكتشف علماء وفلاسفة الإدارة في العشرينات من القرن الماضي بأن المردود المادي ليس هو المحفز الأساسي للعمل بقدر ما هو الاهتمام بالكادر البشري كعنصر له تميزه وشخصيته والاهتمام بظروف العمل المحيطة به.

بعض المؤسسات الغربية صارت تميل إلى استقطاب علماء نفس لمساعدتهم في وضع سياسات للتحفيز والتشجيع انطلاقا من اهتمامها بالكوادر البشرية فيها وتحفيزها على العطاء والإبداع.

المؤسسات الحكومية في دبي مطالبة في ضوء هذه الاستراتيجية الجديدة بتبني إدارات ديناميكية قادرة على التنبؤ بالمستقبل وتحليل القادم والاستعداد لأي تغيير قبل وقوع المفاجآت التي تؤدي إلى الإرباك وعدم القدرة على التصرف السليم. وهي مطالبة أيضا بفتح الباب على مصراعيه لاستقبال الجديد والمتغير في علم الإدارة الحديثة من أجل زيادة الإنتاج وتحقيق الأرباح.

أما المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق المسؤولين في المؤسسات الحكومية فهي الاستثمار في الكادر المواطن واستغلال الموارد البشرية المواطنة والمتخصصة والعمل على تنميتها وتطويرها، وهو المبدأ الذي ترفعه دائما إمارة دبي وتطالب به وتبقى مسؤولية التطبيق ملقاة على عاتق المتابعين والمكلفين بتنفيذ رؤى وتطلعات حكومة دبي.

Heyamm@albayan.ae

مدير ادارة التطوير والمتابعة ـــ »البيان«